فهرس الكتاب
وشرع الطوسي بعد ذلك في الكلام عن قدر الإحكام الذي يدل على كون القادر عالما، فقرر أنه معلوم بالصفة دون المقدار؛ إذ المحكم ــ كما ذكر القاضي عبد الجبار، والطوسي وشيخه المرتضى يحذوان حذوه في هذه الأبواب ــ هو كل فعل يقع من فاعل على وجه لا يتأتى من سائر القادرين، وإنما صحت دلالة المحكم على كون فاعله عالما؛ لأنه صح وقوعه من فاعل قادر وتعذر على غيره من القادرين [1] . وذكر الطوسي أن كل جملة من الأفعال المحكمة تتعذر على سائر القادرين، هي التي تدل على كون فاعلها عالما. وعلى هذا فكتابة حرف أو حرفين أو وقوع كلمة ممن لا يعرف موضوعها، أو ضم شيء إلى شيء، يصح أن يقع ممن ليس بعالم؛ بخلاف الكتابة الكثيرة. وكذلك فعل المحتذي لا يتعذر على كل قادر، وإن كان المحتذي يحتاج إلى العلم بكيفية الاحتذاء حتى يصح منه أن يحتذي [2] .
(1) - انظر القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 156.
(2) - انظر الطوسي: التمهيد ـ ص 32 في ضوء كلام القاضي بشرح الأصول الخمسة؛ فإنني لا أحسب أن القارئ العربي يستطيع ـ مهما بلغت معرفته بالكلام الاثنا عشري ـ أن يفهم النص المطبوع من التمهيد في هذا الموضع مجردا، ولقد بذلت جهدي مستعينا بالمطبوع من كلام الطوسي في غير هذا الكتاب، وبكلام القاضي عبد الجبار خاصة؛ لأصوغ الأفكار وأعيد تركيب كلام الطوسي على هذا النحو. ومهما يكن أمر أخطاء الطباعة في تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان لكتاب القاضي عبد الجبار؛ فهي لا تبلغ حد إغلاق النص كما هو الحال في مواضع كثيرة من طبعة تمهيد الطوسي.