الصفحة 607 من 1224

وإن قيل: لم تنكرون أن الفعل المحكم يصح ممن كان على صفة المعتقدين أو الظانين، فإنه إن صح ذلك فلا يجب معه أن يكون الله ــ تعالى ــ عالما؟ فجواب الشيخ الطوسي: أن الفعل المحكم يدل على صفة يجب أن تكون مع ثبات العقل، وليس كذلك إلا كونه عالما، وما ليس بعالم لا يلزم معه كمال العقل؛ لأنه يجوز خروجه من كونه ظانا ومعتقدا مع كمال عقله، ولا يجوز أن يكون كاتبا بليغا ثم يخرج من جميع ذلك مع بقاء عقله. وكذلك ما طريقه الظن والاعتقاد لا يجب اختلاله بالسكر والجنون لأنهما لا يمنعان منهما وإنما يمنعان من العلم، وقد علمنا اختلال الصنايع بالسكر والجنون؛ فعلم أنه إنما كان كذلك للعلم دون الاعتقاد والظن. ويضاف إلى ذلك أن ما طريقه الظن والاعتقاد لا يمتنع حصوله بأول ممارسة، على حين أن الصنايع لا يصح تعلمها بأول الممارسة؛ فعلم أن ذلك لمكان العلم الذي يحتاج إلى ممارسة مخصوصة يفعل الله عندها العلم الضروري بها [1] .

(1) - انظر السابق ـ ص 33، 34. وراجع له أيضا: الاقتصاد ـ ص 29. وقد قال القاضي في شرح الأصول الخمسة ـ ص 157: «الذي يشتبه الحال فيه ليس إلا كونه ظانا أو معتقدا، وذلك مما لا تأثير له في إحكام الفعل .. ألا ترى أن أحدنا في أول ما يمارس الكتابة ويتعلمها قد يظنها ويعتقدها ثم لا يتأتَّى منه إيقاعها على هذا الوجه المخصوص؛ فصح بهذا أن صحة الفعل المحكم دلالة كونه عالما في الشاهد، وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب؛ لأن طرق الأدلة لا تختلف غائبا وشاهدا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت