فهرس الكتاب
على حين أن الوارد في كلام القاضي عبد الجبار أنه ليس في الأفعال ما يدل على أن فاعله جاهل، وإن كان منها ما يدل على أنه ليس بعالم .. قال: «فإنا إذا علمنا أن أحدنا قد خلص داعيه إلى إيجاد الفعل محكما متسقا، وكانت الموانع مرتفعة زائلة، ثم لا يقع؛ دل على أنه غير عالم به، إذ لو علم به لأوقعه كما يريد» [1] .
وبعد أن يفرغ الشيخ الطوسي من بيان أنَّ العالِمَ منا إنما يُعْرَفُ عالِمًا بما يصدر عنه من الأفعال المحكمة، ينتقل بواسطة قياس الغائب على الشاهد إلى بيان كون الله ــ عز وجل ــ عالما، وكونه ــ تعالى ــ عالما يعني عنده أن الأشياء واضحة له حاضرة عنده غير غائبة عنه. والدليل على ذلك أنه فعل الأفعال المحكمة المتقنة؛ فيذكر في «التمهيد» و «الاقتصاد» كليهما أنه قد تَبيَّنَ أن الله ــ تعالى ــ قد فعل من الأفعال المحكمة ما يزيد في الإحكام على كل محكم، في خلق النبات والإنسان والحيوان والسماوات والأرض، وما في ذلك كله من بديع الحكمة ولطيف الصنعة والتركيب العجيب، في نظام واحد واتساق واحد؛ فكل أولئك دال على وجوب كونه عالما .. ألا ترى أن القدر اليسير من أفعالنا المحكمة لا يقع إلا من عالم، وأفعاله ــ تعالى ــ المشار إلي نَزْرٍ منها آنفا تزيد على إحكام كل محكم؛ فهي أولى وأحرى في الدلالة على كونه عالما [2] .
(1) - القاضي: شرح الأصول الخمسة ـ ص 159. وإني لم أقصد عقد المقارنة في هذا الموضع بين الشيخ الطوسي والقاضي عبد الجبار، وإنما الذي جرني إلى ذلك محاولتي تنوير كلام الطوسي في التمهيد، والسعي في عرض أفكاره بصورة واضحة معقولة. ثم التزمته في سائر هذه الدراسة لما سبق أن أشرت إليه من حال الكتب المطبوعة ..
(2) - انظر الطوسي: التمهيد ـ ص 34، 35. والاقتصاد ـ ص 28، 29. وقارنه بكلام القاضي: شرح الأصول الخمسة ـ ص 158.