الصفحة 610 من 1224

ومن دلائل النظام الواحد في أفعال الله ــ تعالى ــ ما يجري فيه الحال على وتيرة واحدة مستمرة فأشبه الكتابة المحكمة ــ أنه خلق الحيوان في كل حي من جنسه من غير اختلاف في ذلك؛ فلا يخلق البشر من البهائم، ولا يخلق في البهيمة جنس البشر؛ فلو لم يكن عالما لاختلف ذلك. وكذلك خلق الثمار في أزمنة مخصوصة، وفي كل شجرة ما يشاكلها؛ فلا يخلق في الكرم رطبا، ولا في النخل عنبا، ولا في غيرهما من الأشجار ما ليس من جنسها .. قال الطوسي: «فلولا أنه عالم بذلك؛ لما وجب ذلك على وتيرة واحدة، وكان يختلف الحال فيه» [1] .

وبعد هذه الملاحظات التفصيلية الطريفة على نظام العالم المحكم يذكر الشيخ الطوسي اعتراضا قد يتمسك به بعض الملاحدة فيقول: نسلم أن هذه الأفعال دالة على كون فاعلها عالما؛ لكن ما الذي يمنع أن تكون من جهة بعض القادرين منا؛ فالأصل فيها هو التأليف، وهو مقدور لنا؛ فكيف يستدل بها على أنه ــ تعالى ــ عالم؟

والطوسي يسقط هذا الاعتراض بفرض الكلام في أول حي خلقه الله ــ تعالى ــ فإنه لا بد أن يكون مبنيا بنية مخصوصة، ولا بد أن يكون الله ــ تعالى ــ هو الفاعل لتلك البنية؛ فقد فرضنا أنه أول حي .. قال الطوسي: «فثبت بذلك غرضنا من كونه عالما على أنه لا حال من الأحوال إلا ويتجدد من أفعاله العجيبة ما يدل على علمه» [2] .

(1) - انظر الطوسي: التمهيد ـ ص 35. وقارنه بكلام القاضي: شرح الأصول الخمسة ـ ص 158.

(2) - انظر الطوسي: التمهيد ـ ص 34، 35. وما أحسب أن بيان هذ الاعتراض ورده يمكن أن يتم لقارئ التمهيد بغير قراءته في كلام القاضي: شرح الأصول الخمسة ـ ص 157. وقد ذكر القاضي ـ فوق ما أدركناه من كلام الطوسي ـ أننا نعرف من جهة السمع أن هذه الأفعال المحكمة من جهة الله ـ تعالى ـ ومن قبله لم يشاركه فيها غيره.

وطالما سمعنا دلالة قريبة من هذا الوجه من فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي ـ رحمه الله تعالى ـ كان يقول: إننا لم نعرف أحدا من البشر ادعى أنه خلق العالم وجميع ما فيه من صنوف العجائب، ثم أخبرنا الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المصدق بالمعجزة: أن الله ـ عز وجل ـ هو الذي خلق ذلك جميعا بلا شريك. فينبغي أن نصدقه حتى يدعي أحد أنه خلقه أو عرف من خلقه، ثم ننظر في أدلته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت