فهرس الكتاب
وهذا لا يتم إلا بنفي وجود حوادث لا أول لها على ما سبق الكلام عليه في فصل إثبات وجود الصانع، وهكذا كثير من العقائد لا يسلم للمسلمين إثباتها إثباتا تندفع معه كل الشبه التي يوردها الملاحدة إلا بعد تمام الدلالة على استحالة تسلسل الحوادث بلا أول ..
ج ــ أما الشيخ تقي الدين أبو الصلاح الحلبي؛ فكلامه ــ كما يقرر هو نفسه في أساسه الأول ــ مبني على حدوث الأجسام، وإثبات أن لها محدثا قادرا لوقوعها منه، ثم يثبت كونه عالما لثبوت صفة الإحكام في أكثر أفعاله. وهذه الصفة تفتقر إلى أمر زائد على كون القادر قادرا؛ إذ يتعذر تحصيلها على أكثر القادرين. وقد وصف الفصحاء من حصلت في أفعاله بكونه عالما [1] .
وهو بدوره يدفع بعض الاعتراضات التي أشار إليها شيخه الطوسي، كالاعتراض بأن التأليف مقدور للمُحدَث فلا يمكن إضافته للقديم ــ تعالى ــ على سبيل القطع .. وأبو الصلاح يرى أيضا أن ذلك الاعتراض يسقط بفرض الكلام في أول حي من حيث يستحيل إضافة تأليفه إلى غير الله ــ تعالى [2] . ويرى أبو الصلاح أيضا أنه لا يُقدَحُ بوجود ما ليس بمحكم من أفعاله ــ تعالى ــ في كونه عالما؛ لأن ما ليس بمحكم يصح وقوعه من العالم لغرض، ولا يصح الاستدلال به على كون فاعله غير عالم [3] .
(1) - انظر الحلبي: تقريب المعارف ـ ص 41. وراجع له: الكافي في الفقه ـ ص 41.
(2) - انظر الحلبي: تقريب المعارف ـ ص 41.
(3) - انظر السابق نفسه، مع ملاحظة أن محقق الكتاب أثبت في طبعته عكس ما يدفع الاعتراض؛ إذ جاء النص المطبوع على النحو التالي: «ولا له أن يقدح بوجود ما ليس بمحكم من أفعاله ـ تعالى ـ في كونه عالما؛ لأن ما ليس بمحكم يصح وقوعه ممن ليس بعالم، وصحة الاستدلال به على كون فاعله غير عالم» . ويحتمل أن هذا الذي أثبته المحقق جميعَه هو حكاية الاعتراض، وقد سقط كلام الحلبي في دفعه. وما أحسب أنه يخرج عما قرره شيخه الطوسي على النحو الذي بينته.