الصفحة 612 من 1224

وللشيخ تقي الدين الحلبي بعد ذلك طريقة ثانية في إثبات كون الله ــ تعالى ــ عالما، وهي مبنية على النظر في الجواهر، وكونها على وجوه مخصوصة، ومقادير معلومة لها كانت الجواهر ذهبا، وفضة، وعنبرا، ومسكا، وماء، ودهنا، وعظما ... إلى غير ذلك من أجناس الجماد والحي، وما هي عليه من البنى والصفات والهيئات المختلفة، مع تساويها في كونها جواهر، وفي حلول هذه الأجناس فيها .. قال الحلبي: «وذلك يقتضي كون موجدها في هذه المحال عالما» [1] .

وهذه الدلالة تجتذب إلى الذهن ما سبق أن أشرت إليه في تمهيد هذه الدراسة وفي دقيق الكلام، من معطيات معارفنا الحديثة عن تكوين الذرة، التي يمكن أن تكون ذرة ذهب أو حديد أو زئبق أو يُورانيوم ... إلى غير ذلك من عناصر المادة المختلفة، بحسب اختلاف الوزن الذري، الذي يحدده عدد «البروتونات» ، وهي الجسيمات الموجبة الشحنة في «نواة الذرة» وهو مساو لعدد «الإلكترونات» السالبة الشحنة التي تدور حولها. وإنه ليمكننا أن نستدل بذلك كله على أن وراء بناء كل هذه الذرات المحكمة إلها عالما واحدًا بلا شريك يخالفه فيما صنع.

3 ــ كونه ــ تعالى ــ موجودا:

أ ــ قال المرتضى في رسالة «الحدود والحقائق» : «الموجود: الثابت العين. وهو أظهر مما يُحَدُّ به» [2] . وقد سبق أن أشرت إلى أن القائلين بشيئية المعدوم لا يكفي عندهم في إثبات وجوده ــ تعالى ــ دلالة كونه مُحدِثًا للعالَم، وإنما يسوقون لذلك دلالة خاصة ومستقلة بعد بيان كونه قادرا أو قادرا وعالما على النحو الذي سلكه الشريف المرتضى؛ حيث قال في «جمل العلم والعمل» : «ولا بد من كونه موجودا؛ لأن له تعلقا من حيث كان قادرا عالما، وهذا الضرب من التعلق لا يصح إلا مع الوجود» .

(1) - السابق نفسه ـ ص 41.

(2) - المرتضى: رسائل الشريف المرتضى ـ 2/ 283.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت