الصفحة 61 من 1224

وأما القسم الثاني من أقسام العلم، وهو المكتسب؛ فحَدُّه: ما يُمكن العالمَ به نفيُه عن نفسه بإدخال الشبهة إذا انفرد .. قال: «وإنما ذكرنا الشبهة في إخراجه نفسه من كونه عالما؛ لأن العالم تَقْوَى دواعيه على استمراره على ما علمه وسكنت نفسه إليه، فإذا عرضت الشبهة اعتقد أنه ليس بعلم وأن العلم خلاف ما هو عليه، وأخرج نفسه عمَّا كان عليه» .

والعلم المكتسب على ضربين: أحدهما لا يحصل إلا متولدا عن نظر. والثاني فعل المنتبه من نومه، وقد كان قبله عالما بالله ــ تعالى ــ وصفاته، فإنه عند انتباهه وذكره لنظره يفعل اعتقادا لما كان له معتقدا؛ فيكون ذلك الاعتقاد علما. وقرر المرتضى أن هذا العلم يُلْجَأُ العالِمُ إليه ولا يجوز تركه مع التذكر؛ لقوة الدواعي إليه وسكون النفس إليه، ولأن العقل إذا خرج من هذه الحال نظر في الدليل كما فعل أولا، والمعلوم أن المنتبه من نومه العائد إلى مثل حاله في العلم لا يجد نفسه ناظرا ولا مفكرا. ويضاف إلى ذلك أن هذه العلوم تحدث للمُتَنَبِّهِ دفعة واحدة، ولو كانت عن نظر لترتبت بترتيبه كما جرى الأمر أولا [1] .

ثم إن المرتضى بعد الفراغ من ذكر أقسام العلم الضروري والمكتسب قال: «والعلوم المكتسبة كائنة من أفعالنا، كما أن العلوم الضرورية من فعل غيرنا فينا. وإنما قلنا ذلك لاتباع المكتسبة لمقاصدنا ودواعينا وأسبابنا، ومفارقة الضرورة لها في ذلك كله» [2] .

ويلاحظ هنا موافقة المرتضى لمعتزلة البصرة الذين انتهت راية كلامهم إلى القاضي عبد الجبار، في عد العلم الحاصل بالحواس جميعا في أقسام العلوم الضرورية التي لا يرجع شيء منها إلى فعل العالم بها؛ على حين كان شيخه المفيد موافقا للمعتزلة البغداديين في اعتبار بعض علوم الحواس من فعل الحاس العالم بها.

(1) - المرتضى: الذخيرة ـ ص 154: 156.

(2) - السابق ـ ص 156، 157. وهذا الحد الأخير هو الذي اعتمده الشيخ الطوسي في تمهيد الأصول ـ 190، 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت