فهرس الكتاب
وإذا كان الشيخ المفيد قد قطع بأن العلم الحاصل بالتواتر نظري كسبي؛ موافقا لأبي القاسم الكعبي من المعتزلة البغداديين؛ فقد رأينا أن المرتضى في التقسيم الشكلي يراعي أقسام العلم عند البصريين، ويذكر العلم بمُخْبَرِ الأخبار المتواترة على أنه من الضروري الذي يحصل عند سببه بالعادة المتفقة، أي المستمرة بلا تفاوت في حصولها عند السبب؛ لكنه يقول: «عند مَنْ قَطَعَ أو جَوَّز أنَّ ذلك يكونُ ضروريا من فعل الله ــ تعالى» . فهل يعني هذا أن المرتضى في مذهبه لم يكن قاطعا بكون العلم بمُخْبَرِ الأخبار المتواترة ضروريا؟ وهل يعني أيضا أنه في زمان كتابته «الذخيرة» لم يكن قاطعا برأي نهائي في بعض مسائل دقيق الكلام التي كان الغالب فيها عليه متابعة القاضي عبد الجبار المعتزلي؟
أما السؤال الأول؛ فنعم. وقد يشغب على مثل هذه الإجابة في السؤال الثاني بهذه القضية أن المرتضى نفسه ــ في الكلام عن الأخبار وحكم ما يحصل عنها من العلم في موضع متأخر من كتاب «الذخيرة» عينه ــ صَرَّح بما انتهى إليه رأيه من التوقف وتجويز كون العلم بمُخْبَرِ الأخبار المتواترة ضروريا أو مكتسبا، ثم كرر ذلك في الكلام عن الأخبار من كتاب «الذريعة إلى أصول الشريعة» وهو مما كتبه في أواخر العمر وفق إشارة الطوسي [1] ؛ لكنه في الكلام عن أقسام العلم في بداية «الذريعة» نص على أن العلم بمُخْبَرِ الأخبار المتواترة مشكوك في حكمه؛ فيجوز أن يكون ضروريا من فعل الله فينا، ويجوز أن يكون من فعلنا. وذكر أنه سيستقصي الكلام عنه في الأخبار [2] .
(1) - راجع الطوسي: التمهيد ـ ص 196. ولا يبعد أن يكون المرتضى نفسه قد كان له رأي في بداية تأليف الذخيرة، وقد أخذ بغيره فيما بعد؛ فأثبت ما انتهى إليه في موضع متأخر من الكتاب.
(2) - انظر المرتضى: الذريعة ـ 1/ 21، 22.