الصفحة 616 من 1224

وفي كتاب «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار بُنِيَتْ هذه الدلالة على أصلين: أحدهما: أنه ــ تعالى ــ قادر، وقد تقدم إثبات ذلك. والثاني: أن القادر لا يكون إلا موجودا، وهذا لا يمكن رده إلى الشاهد؛ لأن الواحد منا يجب إذا كان قادرا أن يكون موجودا؛ لأنه قادر بقدرة، والقدرة تحتاج إلى محل مبني بنية مخصوصة، والمحل المبني على هذا الوجه لا بد من أن يكون موجودا. وليس كذلك القديم ــ تعالى ــ لأنه قادر لذاته؛ فلا يجب وجوده لمجرد ثبوت أنه قادر [1] . ويمكننا أن نضيف إلى ذلك من كلام الطوسي نفسه الذي سلف ذكره من قريب أن هذه الدلالة على أن الله ــ تعالى ــ حي وموجود مبنية على النظر في دليل واحد من وجه واحد.

ولقد رأى القاضي أن الأولى سلوك طريقة أخرى في إثبات وجود الله ــ تعالى ــ مبناها النظر في تعلق القادر والعالم. وهذه الطريقة هي التي سلكها الشريف المرتضى ــ كما مرَّ ــ في «جمل العلم والعمل» ، وتبعه تلميذه شيخ الطائفة في شرحه وتوسع في بيانها؛ فقال: «يجب أن يكون القديم ــ تعالى ــ موجودا؛ لأنه متعلق بغيره لنفسه من حيث كان قادرا عالما. وما يتعلق بغيره لنفسه، إذا كان لا متعلق له سواه؛ فإن عدمه يخرجه من التعلق» [2] .

وقبل أن يبين الطوسي أن العدم يمنع التعلق بالغير للنفس، يفسر معنى التعلق بأنه اقتضاء القادر لمقدور، والعالم لمعلوم، وكذلك في جميع الصفات التي تقتضي التعلق بالغير، بخلاف صفتي الحياة والوجود فإنه لا تعلق لهما بغير الموصوف.

(1) - انظر القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 177.

(2) - الطوسي: التمهيد ـ ص 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت