فهرس الكتاب
وذكر الشيخ الطوسي أن ما يتعلق بغيره لا لنفسه لا يجب أن يمنع عدمه من تعلقه، وضرب لذلك المثال بأن الخبر والأمر وجميع أقسام الكلام مما يتعلق بغيره، ومع ذلك لا يمنع عدمه من تعلقه؛ فالمعنى المراد يتم ويكون الكلام مفيدا عند آخر جزء من الجملة، وما تقدم قد عدم، ومع هذا يتعلق الكلام المعدوم بالمخبر عنه والمأمور به؛ لأن هذا التعلق ليس براجع إلى نفس الكلام بل إلى شيء يرجع إلى المواضعة.
وقد اشترط الطوسي في الحكم بوجود المُتَعَلِّق بغيره لنفسه أن لا يكون معه مُتَعَلِّقٌ سواه بالشيء نفسه؛ لأنه إذا عُدِمَ أحدهما ظل التعلق بالآخر موجودا، ومثاله: القدرة التي تتعلق لنفسها بالسبب والمسبب معا، فإذا وجد السبب لم يمتنع أن تعدم القدرة مع بقاء تعلق المسبب بالسبب.
قال الطوسي: «والذي يدل على أن العدم يمنع من تعلق من هذه صفته أنه لو لم يمنع من ذلك؛ لوجب أن يكون الواحد منا يقدر على ما لا نهاية له، وألا يتفاضل القادرون، وأن يصح منا ممانعة القديم ــ تعالى ــ وكل ذلك فاسد. وإنما قلنا ذلك لأنَّ القُدَرَ المعدومة لا نهاية لها؛ فلو كان عدمها لا يمنع من تعلقها؛ لوجب اختصاصها بنا، وذلك فاسد» [1] .
وإن قال معترض: إن عدم القدرة لا يمنع من تعلقها، وإنما يمنع من اختصاصها بنا؛ لأن ما يخصنا إنما يخصنا بأن يحلنا، والحلول لا يصح إلا مع وجودها. فالشيخ الطوسي يرى أن هذا القول لا يمثل اعتراضا يحول دون تمام الغرض؛ لأن القدرة في الحقيقة تعلقها بكون القادر قادرا، وأن توجب له هذه الصفة، وكونه قادرا هو الذي يتعلق بالمقدور. ولو لم يكن العدم مانعا من تعلقها؛ لوجب اجتماع تعلق القدرة مع تعلق العجز في العدم، ولا يصح اجتماعهما على وجه يتعلقان فيه بمُتَعَلَّقٍ واحد؛ لأن هذا يؤدي إلى كون القادر عاجزا في آن معا.
(1) - الطوسي: التمهيد ـ ص 36، 37.