الصفحة 623 من 1224

ويذكر الطوسي أن الغرض من الدلالة على أن صانع العالم بالتعيين قديم هو إبطال مذهب «المفوضة» الذين يسلمون بوجود قديم تنتهي إليه الحوادث، ويعتقدون أنه فوَّض سواه في صنع العالم كله أو في صنع بعضه؛ ومن ثم لجأ الشيخ الطوسي إلى دلالة كلامية طويلة ومعقدة إلى حدٍّ ما بما يرد على أجزائها من اعتراضات يلزم دافِعَها أن يستلهم مادته من مباحث دقيق الكلام ولطيفه .. وبيان ذلك أنَّ الصانعَ المُفوَّضَ من قبل القديم الذي تنتهي إليه الحوادث ــ كما ثبت في الدليل الأول على كونه موجودا ــ لا بد أن يكون قادرا؛ لأنا نفرض أيضا أنه صح منه الفعل، ثم لا يخلو أن يكون قادرا لنفسه أو بقدرة قديمة أو محدثة أو قادرا بالفاعل .. هذه احتمالات أربعة لو ثبت واحد منها؛ لصح مذهب المفوضة. وإذا ثبت بطلانها وفسادها جميعا؛ فذلك دليل بطلان ذلك المذهب وفساده، ولا يبقى بعد ذلك سوى ثبوت أن القديم الذي تنتهي إليه الحوادث هو بالتعيين صانع العالم. والشيخ الطوسي يرى أنَّ ذلك الصانعَ المُفوَّضَ لا يجوز أن يكون قادرا لنفسه؛ لأن ذلك مع الوجود يؤدي إلى أنه حي لنفسه، ومن ثَمَّ يكون مِثلا للقديم ومشاركا له في جميع صفاته، ويكون قادرا على جميع الأجناس، ومن كل جنس على ما لا يتناهى، وعندئذ يصح منه ممانعة القديم في أفعاله. وأورد الطوسي على ذلك اعتراضين أحدهما: أنه «لم يثبت لكم بعد أن ها هنا قديما له صفات مخصوصة؛ حتى تقولوا إنما يجب أن يكون مثلا للقديم، ولو وجب أن يكون [كذلك] لكان فاسدا» [1] .

(1) - الطوسي: التمهيد ـ ص 28. وقد أثبت محققه بعد ذلك كلاما في دفع هذا الاعتراض لم يتحصل لي مفهومه بعد بذل الجهد الجهيد .. لكن الفرض في أصل الدلالة أنه يوجد قديم تنتهي إليه الحوادث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت