الصفحة 628 من 1224

وبذلك يتم للطوسي إبطال القول بأن الجسم أو الجوهر يصح فعله بالقدرة المحدثة، ولكنه يضيف إلى ذلك دلالة أخرى فيقول: «لو صح منا فعله؛ لوجب أن يكون الكون جبرا في أول حال وجوده من فعلنا؛ لأن من فعل ذاتا على صفة لا يتم كونها كذلك إلا بفعل آخر، ويجب أن يكون ذلك الأمر من فعله، كالخبر لما لم يكن خبرا إلا بإرادة كونه خبرا، وجب أن تكون الإرادة من فعله» . ثم يبين الطوسي أن فعل الكون مع الجوهر محال منا؛ لأنه لا يمكننا أن نفعل فعلا في غير محل القدرة إلا بأن يماس محل قدرتنا ذلك المحل بزمان واحد على الأقل. والجوهر كان معدوما قبل فعلنا؛ فلا يمكننا ممارسته، وبذلك لا يمكننا أن نفعل فيه الكون؛ فبطل أن نكون قادرين على الجوهر.

وإذا بطل أن يكون ذلك الصانع المفترض قادرا لنفسه أو بالفاعل أو بقدرة قديمة أو محدثة، ولا يجوز ادعاء قدرة معدومة تخالف هذه القدر يصح أن يفعل بها الجسم؛ فقد استحال كونه قادرا أصلا، وبذلك تتم الدلالة على وجوب كون صانع العالم بالتعيين قديما مع بيان امتناع تفويضه أحدا سواه في صنع العالم وإحداثه [1] .

وفي التمهيد بعد ذلك فقرة ألحقها محققه بالكلام في كونه ــ تعالى ــ قادرا، وقد أشرت من قبل إلى أن موضعنا هذا هو الأنسب لها؛ لأنها تبين كون الباري ــ تعالى ــ باقيا.

قال الشيخ الطوسي: «وأما الذي يدل على أنه يجب أن يكون لا يزال موجودا، فهو أنا ندلُّ على أن القديم لنفسه أو لما هو عليه في نفسه، وصفات النفس لا يجوز خروج الموصوف عنها» .

(1) - انظر الطوسي: التمهيد ـ 27: 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت