فهرس الكتاب
والطريقة الثالثة مختصة أيضا بالمعاني أو أجناس الأعراض المخصوصة .. يقول الحلبي: «قد علمنا حدوث الحياة والقدرة والألوان وسائر ما ذكرنا من الأجناس المخصوصة، وأن لها مُحدِثا قادرا عالما حيا موجودا لا يخلو أن يكون قادرا لنفسه أو بقدرة. ولو كان قادرا بقدرة لتعذرت عليه ــ سبحانه ــ هذه الأجناس كتعذرها على الأجسام القادرة بقدرة ...، فثبت أنه ــ تعالى ـــ قادر لنفسه لا يخلو أن يكون قديما أو محدثا، وكونه قديما يصحح ما قلناه، وكونه مُحدثا يقتضي حاجته إلى مُحدِث بعد مُحدِث، وقد بينا فساد ما يؤدي إليه ذلك» [1] .
وبهذا يصح الاستدلال بأجناس الأعراض المخصوصة على معرفة الله، وهذا ــ فيما ذكر الحلبي ــ على خلاف ما يقول به المعتزلة، وقد سبق ذكر ذلك مع التعليق عليه في فصل إثبات وجود الصانع المُحدِث للعالَم.
ومن المعتمد عليه في هذه الطرق في الفصل بين المُحدَث والقديم أن جنس الجواهر وأجناس الأعراض المخصوصة كل ذلك متعذر على القادر المُحدَث، والشيخ الحلبي يبين ذلك بنحو ما سبق في كلام الطوسي؛ لكن كلام الحلبي لا يخلو من جدة في ضرب الأمثلة وترتيب الأفكار أو عناصر الاستدلال لتبدو في صورة جديدة على نحو ما..
وللحلبي في بيان ثبوت ذلك الأصل طرق: أولها: يدل فيه على استحالة فعل الجواهر والأعراض المخصوصة على كل قادر حي من الأجسام؛ بناء على أنها تتعذر على الواحد منهم مع توافر دواعيه إليها وخلوصها من الصوارف في أكثر الأحوال، وتَعذُّرُ تحصيلها ليس له مانع معقول، وما تعذر لا لمانع فإنما تعذر للاستحالة؛ إذ بها يحصل الفرق بين المستحيل والجائز.
(1) - الحلبي: تقريب المعارف ـ ص 43.