الصفحة 635 من 1224

والحلبي يرى أنه ليس لأحد أن يعترض بأن المانع من حدوث هذه الأجناس المحدثة هو فقد علم أو آلة أو بنية أو قدرة لو فعلت للمُحدَثِ لتأتَّى بها ما تعذَّر؛ فالعلم والآلة والبنية ــ كما ذكر الطوسي من قبل ــ إنما يحتاج إليها في وجه الفعل دون حدوث جنسه، فلا يجوز أن يكون فقدها مؤثرا في تعذر الجنس والمقدور. والقدر وإن اختلفت فمقدورها متفق، بدليل تساوي أحوال القادرين بقدر فيما يصح منهم ويتعذر عليهم من متعلق القدرة، ولو جاز اختلاف المتعلق؛ لجاز من بعض القادرين فعل الأكوان دون الأصوات، ومن بعضهم فعل الإرادات دون الاعتقادات، وهذا خلاف المعلوم؛ لأن تقدير قدرة يصح بها ما تعذر على سائر القدر ينقض أحكام سائر الأجناس، وما يستند به كل جنس منها من الحكم الراجع إلى ذاته؛ فيصح وجود كون يصح به الفعل، وطعم يتعلق بالمعلومات، وقدرة وعلم يوجبان للمحل حكم الطعم واللون .. يقول الحلبي: «وهذا غاية في التجاهل ...، وذلك بسط في الفساد» [1] . والاعتماد هنا على أن الأحكام العقلية لا يجوز أن تتغير عما هي عليه؛ فالواجب لا يصير ممكنا ولا مستحيلا، والممكن لا يصير واجبا ولا ممكنا، ولو تصورنا شيئا من هذا القبيل لأدى ذلك إلى فساد الوجود كله. وقد ثبت عند الحلبي أن القدر لا يختلف متعلقها، وأنها لا تتعلق بإحداث الجواهر وأجناس الأعراض المخصوصة؛ فكان القول بإحداث قدرة مخالفة بمثابة القول بتغير الأحكام العقلية في الفساد.

والطريق الثالث يبني فيه الحلبي تعذر إضافة ما عليه الأجسام من الصفات المخصوصة إليها على تعذر فعل الجسم على الأجسام؛ فيقول: «لأنه لا يقدر على تحصيل الذات على وجه، ويوجد من الجنس مقدارا دون مقدار، من لا يقدر على ذواتها» . ويذكر بعد ذلك أن نقل هذه الأجناس من محل إلى محل مستحيل [2] .

(1) - انظر الحلبي: تقريب المعارف ـ ص 45، 46.

(2) - انظر السابق ـ ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت