الصفحة 64 من 1224

ومن يقف عند هذا الحد يحسب أن المرتضى يُقَسِّم العلمَ الحاصلَ بالأخبار المتواترة قسمين لا يُجَوِّزُ حكم أحدهما للآخر .. أحدهما يقطع بأنه ضروري لا يمكن الشك فيه، ولا دفع العلم بمُخْبَرِه عن النفس، كأخبار البلدان والوقائع والحوادث الكبار. والثاني يقطع بأنه كسبي لا يتحصل العلم بمُخْبَرِه إلا بعد استدلال ونظر في صفة ناقليه. لَكِنَّ المرتضى يقول بعد ذلك: «فأما القسم الأول؛ فذهب قوم إلى أن العلم الواقع عنده ضروري من فعل الله ــ تعالى ــ بالعادة، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم ومن تبعهما من المتكلمين والفقهاء. وذهب قوم آخرون إلى أن العلم بذلك مكتسب ليس بضروري، وهو مذهب أبي القاسم البلخي ومن وافقه [1] . والذي نصرته ــ وهو الأقوى في نفسي ــ في كتاب الذخيرة والكتاب الشافي، هو التوقف عن القطع على صفة هذا العلم بأنه ضروري أو مكتسب، وتجويز كونه على كل واحد من الوجهين» [2] .

وذكر المرتضى بعد ذلك أن الذي حمله على هذا الرأي وقوَّاه في نفسه أن العالم بهذه الأخبار يمكن أن يتقدم له العلم على الجملة بصفة الجماعة التي قضت العادة بأنه لا يجوز أن يتفقوا على الكذب؛ فيجوز هكذا أن يسبق عنده معرفة ذلك وتصوره، فإذا أخبره عن البلدان والأمصار من وجده على تلك الصفة الممهدة في نفسه؛ فعل اعتقادا بصدق هذه الأخبار، ويكون هذا الاعتقاد علما لمطابقته للجملة الممهدة في نفسه، ويكون هذا العلم كسبا له لا محالة غير ضروري.

(1) - عندما نقل الشيخ الطوسي هذا الكلام بكتابه «العدة في أصول الفقه» ـ 2/ 70 صرَّح بأن شيخه أبا عبد الله المفيد كان يذهب إلى رأي أبي القاسم البلخي، وقد مر بنا بيان ذلك من كلام المفيد نفسه.

(2) - المرتضى: الذريعة ـ 2/ 485. وانظر له: الذخيرة ـ ص 345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت