أ ــ ولست أريد بهذا الاستهلال تبريرَ انشطار الأمة إلى سنة وشيعة، وافتراق كل منهما إلى عدد من الفرق يَهول كُلَّ قارئ لما كُتِبَ في تاريخ الفرق ومقالاتها بأقلام أهل السنة والشيعة على حَدٍّ سواء؛ فالقرآن والسنة يحذران في تشديد بالغ من التفرق والخلاف، وفيما رويته من الحديث تنبيه سابق من النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ على أخطار افتراق الأمة؛ ولكنني قصدت تقرير واقع ثابت لفكر البشر وعلومهم كما يدركه صاحب أدنى حظ من الثقافة العامة؛ كي لا تأخذنا طويلا الدهشةُ من كثرة الفرق وتعدد المقالات في تاريخ فكرنا الإسلامي، ولأجعل من ذلك مدخلا قريبا للكلام عن موضوع هذه الدراسة، التي أرجو أن تُعَدَّ في الدراسات البَيْنِيِّة المُقَارِنَةِ بين التيارات المتنوِّعة للفكر الإسلامي، وأن يكون لها من خلال ذلك حَظٌّ من مُحاولة بسط وجوه الاتفاق، وتحديد مواضع الخلاف، مع السعي في ردها ــ ما أمكن ــ إلى الأصول الثابتة المُجمع عليها، أو المشتركة بين التيارات الفكرية المتعددة المنتسبة للإسلام.
... ولقد غدت قضية التقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية من كُبْرَيَاتِ القضايا التي تشغل الفكرَ الإسلامي المعاصر، بما يغذوها من همم المفكرين والدعاة الصادقين المتطلعين إلى رأب الصدع في وحدةِ الصفِّ الإسلاميِّ، والعاملين في سبيل إيقاظ الأمة وبعثها بعد غفوة امتدت بأدواء الفرقة؛ وبما يغذوها أيضا ــ إثارة أو اعتراضا ــ من ضرورات السياسة ورغبات رجالها في البلاد الإسلامية بين حين وآخر ..