الصفحة 8 من 1224

ولعل أعمال التقريب المتعلقة بالمذاهب الفقهية الثمانية ــ السنية والشيعية [1] ــ قد نالت حظا وافرا من جهود العلماء الكبار، ودراسات ناشئة الباحثين في إطار الفقه المقارن، ولقيت حظا من القبول والتطبيق العملي أحيانا كثيرة؛ على حين أن الدعوة للتقريب بين الفرق الكلامية لم تتجاوز ــ فيما أعلم ــ مسائل الأصول التي يجب على كل مسلم الإقرار بها، ويخرج إن فرّط فيها من زمرة المسلمين. ثم تستغرق البحوث بعد ذلك في الانتصار لخصائص كُلِّ فرقة، أو محاولة جمعها قسرا بالتسليم لمذهب الباحث سنيا كان أو شيعيا، وكأن عملية التقريب لا تتم في الحقيقة إلا بدخول المذاهب المختلفة أو انصهارها جميعا في مذهب واحد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يسمح بأي تَنَوُّع أو اختلافٍ ضِمنَ إطاره الجامع ووحدته الصارمة.

ولعلَّ أوَّلَ وسائلِ ذلك التقريب ــ فيما يبدو لي ــ يتمثَّل في المعرفة الدقيقة التي تمكن كُلَّ فريقٍ من الإدراك لما عليه الآخر، دونما نقص أو زيادة أو تحريف، وبمعزل عن روح التعصب البغيض التي تحول دون الفهم الصحيح. وهذه المرحلة هي أيضا بمثابة الامتحان الذي يُظهر إمكانَ صدق القضية ــ الأطروحة الأساس ــ المذكورة آنفا أو بُطلانها، ويُعِينُ ــ إذا صدقت تلك الأطروحة ــ على وضع ضوابط التقريب بعد ذلك، وبيان مدى إمكان تحقيقه في واقعنا المعاصر، إلى جانب الدراسات الميدانية التي ترصد وتحدِّد أثرَ العقائد ومقالات الفرق في المجتمعات الإسلامية المتنوعة ..

(1) - الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والظاهري، والإباضي، والزيدي، والجعفري الاثنا عشري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت