الصفحة 74 من 1224

وخلاصة جواب الشريف: أن الناظر في الدليل الأول الدال على حدوث الأجسام ــ على سبيل المثال ــ من طريق إثبات الأعراض وحدوثها، يتولد له العلم بالمطلوب عقيب تمام النظر المستكمل للشروط، وقد يقوى في النفس أن يقال: إنه إذا نظر في دليل آخر؛ فقد علم حدوثها من طريقين أو أكثر. والحق أن الناظر قد علم حدوث الأجسام عقيب النظر في الدليل الأول؛ ففقد الشك في تجويز كونها محدثة أو قديمة، وهذا من شروط صحة النظر في الدليل الثاني، الذي يرى المرتضى أن النظر الجديد إنما يكون في مقدماته لمعرفة أنها دالة على المطلوب أو لا؛ فإن العلم بحدوث الأجسام عقيب النظر في الدليل الأول لا يمنع من الشك في مقدمات الدليل الثاني [1] .

(1) - راجع المرتضى: مسألة في توارد الأدلة (ضمن رسائل الشريف المرتضى ـ 2/ 147: 152) . والذي أراه ـ بغض النظر عن الأسس التي يقوم عليها منهج المرتضى وفكره الكلامي ـ أننا إذا ذكرنا أن منهج المتكلم المسلم، من حيث هو مسلم في الأصل، هو الاعتداد بالنقل والاعتماد على العقل، أي أنه يبحث عن البراهين العقلية للعقائد الثابتة لديه نقلا؛ فلا إشكال في النظر في الأدلة المتواردة على مدلول واحد، ولا بأس في أن يختبر المتكلم صدق دلالتها جميعا على المطلوب؛ ليقدم لكل خصم ما يناسبه من الأدلة المؤيدة لعقائد المسلمين؛ خاصة أن طول مراسه لهذا الاختبار حينما ينظر في الأدلة المتعددة سينمي إمكاناته في دفع الشبه ودرء الاعتراضات وابتكار الدلائل، أو التنبه إلى وجوهها في إثبات العقائد؛ لكن هذا لا يكون إلا عندما نستعمل العقل باعتباره آلة فهم ودفاع عما يثبته النص، والعقل عند المرتضى ومن وافقهم من المعتزلة هو نقطة الانطلاق الضرورية لتشييد صرح علم الكلام ـ على حد تعبير ترجمة كلام المستشرق «مارتن مكدرموت» في مقارنته العَجْلَى بين منهج الشيخ المفيد ومنهج تلميذه الشريف المرتضى؛ فراجعه: نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد ـ ص 490.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت