الصفحة 80 من 1224

وإن قيل: ما الفرق بين القول بأن النظر هو المولد للعلم بالمدلول بشرط أن يكون الناظر عالما بالدليل على الوجه الذي يدل، وبين القول بأن العلم هو المولد بشرط كونه ناظرا؟ والجواب أن الذي يدل على بطلان ذلك أن العلم بالدلالة قد يكون ضروريا، فلو ولد العلم بالمدلول لكانت المعارف ضرورية، ولو كان العلم بالدلالة هو المولد لوجب أن يولده في حاله؛ لأن السبب إذا لم يختص بجهة وجاز وجوده مع سببه فإنه يولده في حال وجوده، كالمجاورة مع التأليف، وإذا وجب في العلم بالدلالة أن يولد العلم بالمدلول في حاله ــ لو كان مولدا له ــ استحال أن يكون مشروطا بالنظر؛ لأن النظر يستحيل وجوده في العلم بالمدلول [1] .

فإن قيل: لم لا يولد النظر العلم لمن خالفكم، وهم ينظرون كنظركم؟ فجواب المرتضى: رفض التسليم بأن المخالف ينظر كنظره؛ إذ لو نظروا على حد نظره لعلموا كما علم. ومثل لذلك بالرماة إذا رموا على سمت واحد وأصاب أحدهم؛ فلا بد من إصابة جميعهم، ولو ادَّعَى أحدهم أنه رمى على سمت المصيب فلم يصب؛ فهو غير صادق .. قال المرتضى: «والمخالفون ما نظروا في الأدلة، وإنما نظروا في الشبه، وإن نظروا في الأدلة فلم ينظروا من حيث هي دالة ...» [2] .

ويذكر الشريف المرتضى بعد ذلك الدلالة على أن النظر لا يولد الظن، ولا الشك، ولا النظر، ولا الجهل.

(1) - انظر المرتضى: الذخيرة ـ ص 162، 163. وراجع الطوسي: التمهيد ـ ص 194، 195.

(2) - انظر المرتضى: الذخيرة ـ ص 163. وراجع الطوسي: التمهيد ـ ص 195. وقد أضاف الطوسي ذكر سبب ثالث، فربما سبق المخالفون إلى اعتقاد جهل بالمدلول بخلاف ما تقتضيه الدلالة، وهذا مما يمنع التوليد. وراجع هذا كله عند القاضي: المغني ـ 12/ 119: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت