فهرس الكتاب
وكذلك لا يولد النظر الجهل بدلالة أنه لا يخلو توليده له ــ لو كان صحيحا ــ من أن يكون النظر في الدليل هو الذي يولده أو النظر في الشبهة. والنظر في الدليل إنما يولد العلم؛ فلا يولد معه ضده. ولو كان النظر في الشبهة يولده؛ لكان يولد الجهل لكل من ينظر فيها، ونحن ننظر في شبه المخالفين على الوجه الذي نظروا، ولا يتولد لنا شيء من الجهل [1] .
* ومع أن المرتضى يترسم خطى القاضي عبد الجبار في كتاب «المغني» ؛ إلا أنه يغض الطرف عن مناقشة شبه نفاة صحة النظر والعلم الواقع عنه، وقد أنفق القاضي في دفعها نحو ثمانين صفحة من جزء «النظر والمعارف» ؛ فكأنه اكتفى بما قرره من وجدان الإنسان نفسَه ناظرًا بالضرورة، ثم عقد فصلا جديدا عن «إبطال التقليد» . والتقليد في الاعتقاد باطل عند المرتضى؛ لأن الأقوال المختلفة عند المقلد متساوية، وهو إما أن يعتقد الجميع وهو محال، أو أن يتوقف عن الكل للتساوي، وليس له أن يرجح بالكثرة أو بإظهار الصلاح والعبادة؛ لأن ذلك قد يتفق بالحق والباطل، وليس بأمارة على أحدهما.
هذه دلالة، والأخرى أن المُقَلِّد لا يخلو من أن يكون عالما بأنَّ المُقَلَّدَ مُحِقٌّ، أو لا يعلم ذلك. فإن كان لا يعلم؛ جَوَّزَ كونه مخطئا، وقَبُحَ تقليدُه. وإن كان عالما بأنَّ مَنْ قَلَّده مُحِقٌّ؛ فلا يخلو من أن يعلم ذلك ضرورة أو بدليل. ومعلوم أنه لا يعلمه ضرورة، ولا يخلو الدليل من أن يكون غير التقليد وهو الصحيح، أو يكون بالتقليد فيتسلسل ويؤدي إلى إثبات مقلدين لا نهاية لهم.
(1) - انظر المرتضى: الذخيرة ـ ص 164. والطوسي: التمهيد ـ ص 195. والقاضي عبد الجبار عقد فصلا مستقلا في بيان أن النظر لا يوجب الجهل ولا يولده؛ فراجعه: المغني ـ 12/ 104: 115.