الصفحة 90 من 1224

ثم ذكر أنه لا فرق بين أن تكون المضرة معلومة أو مظنونة في وجوب ما يُتَحَرَّزُ به منها، كما في سائر الأفعال الواجبة للتحرز من المضار في الشاهد .. قال المرتضى: «ولو كان ذلك وقفا على المضار المعلومة دون المظنونة؛ لم يجب في الشاهد شيء من الأفعال على سبيل التحرز من المضار؛ لأنه لا سبيل فيها إلى العلم (بما يستقبل من العواقب) ، وإنما طريقها الظن» [1] .

(1) - انظر السابق نفسه. وقد تابعه الشيخ الطوسي في تمهيد الأصول ـ 197؛ فاستعنت به في تقويم عبارة «الذخيرة» . وقد ذهب القاضي عبد الجبار في المغني ـ 12 / 352 إلى أن التحرز من المضار واجب، كانت المضار معلومة أو مظنونة، كما ثبت بالدليل وجوب رد الوديعة على بعض الوجوه، وشكر المنعم. وعدَّ هذا من كمال العقل؛ لأنه لا يلتبس على أحد من العقلاء حال ما يخشى فيه المضرة أنه يلزم التحرز منه بالطريق الذي يؤمل به زواله، كما لا يلتبس حال سائر الواجبات. وفي موضع آخر (ص 358) عرض المسألة مرة ثانية، وقال: «بل الذي يعرفه العقلاء بالعادات المضار المظنونة؛ لأنهم ]لا[ يعلمون الأمور المستقبلة؛ وإنما نعلم بالتأمل أنه لو علم ذلك لكان الفعل بالإيجاب أحق. فكذلك ما يجب أن يتحرز به (أي الفعل الواجب للتحرز من المضرة) ، لا يجب أن يقطع على أن التحرز به يقع لا محالة؛ بل متى ظن ذلك حل محل العلم بأنه يأمن به المضرة، ووجوبه في الحالين لا يختلف» . وهذا ما أخذ به المرتضى في كلامه الذي لا يعدو ـ في نظري ـ أن يكون اختصارا لكلام القاضي، ولقد قومت بهديه خلل المطبوع من كتاب «المغني» ، وإني لأرجو أن تتوفر لجنة علمية على إعادة تحقيق مؤلفات القاضي؛ مهتدية في تصويب نصوصها بما أفاده عنها المرتضى والطوسي والحلبي. ولعل المحققين من إخواننا الشيعة أولى بذلك في إعادة نشرهم لمؤلفات المرتضى وتلميذيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت