فهرس الكتاب
* وقد ذكر المرتضى هنا حصول الخوف عند أمارتين: دعاء الداعي، والخاطر. وقد سبق أن ذكر في «شرح الجُمَل» مع ذلك جواز أن يتنبه المكلف من قبل نفسه بآثار الصنعة فيها؛ فيخاف أن يكون له صانع منعم يستحق الشكر ويعاقب على تركه. وإنَّ ما فعله المرتضى بهذا الموضع من «الذخيرة» مجرد اتباع لما صدَّر به القاضي عبد الجبار الفصل الذي عقده لبيان «أن النظر لا يجب ولا يعرف العاقل وجوبه إلا عند خاطر وداع، أو ما يقوم مقامهما» ؛ حيث ذكر أن كل علم يتعلق بظن فلا بد من أمارة ترد؛ ليحصل الظن للعاقل ويتبعه العلم. ثم ذكر أن الأمارة التي تؤدي إلى قيام الظن بوجود الضرر في ترك النظر؛ فيجب العلم بوجوبه ــ إنما هي تنبيه الداعي والخاطر. ثم ذكر الاعتراض على ذلك بأنه ينتقض بتنبه المكلف من قبل نفسه، وأجاب بأن شيخه أبا على محمد بن عبد الوهاب الجبائي (تـ303هـ) قد ذكر أن هذا التنبه يقوم مقام الداعي في وجوب النظر على المكلف، وأن شيخه أبا هاشم عبد السلام بن محمد (تـ321هـ) [1] أباه في مواضع كثيرة، وإن كان في «البغداديات» قد أشار إليه وجوزه. قال القاضي: «فالواجب إذن أن يقوم مقامهما» [2] .
وهذا ما أخذ به المرتضى في موضع متأخر من «الذخيرة» بعد ذلك؛ حيث ذكر أن المكلف إما أن يتنبه بدعوة الداعي مع نشأة المكلف بين العقلاء المختلفين، أو بالتفكير في أحوال نفسه وما فيها من آثار الصنعة وأمارات النعم، ثم قال: «فإن لم يحصل الوجهان الأولان؛ وجب على الله ــ تعالى ــ أن يخطر بباله ما يقتضي وجوب النظر عليه بكلام يفعله داخل سمعه» [3] .
(1) - هذه المشيخة في المذهب؛ فالقاضي لم يدرس على الشيخين الجبائيين، ولم يعاصرهما أصلا.
(2) - القاضي عبد الجبار: المغني ـ 12/ 386، 387.
(3) - المرتضى: الذخيرة ـ ص 171، 172.