الصفحة 94 من 1224

ولعمري إن مثال المرتضى في هذا المقام أكثر شيء دلالة على أن العاقل لا يستقل بالنظر في كل الأحوال بدون منبه خارجي؛ لأنه لم يوجب أن يتنبه كلُّ المكلفين من قبل التفكير في أحوال أنفسهم، وهي الصورة التي يسلم فيها استقلال العاقل ــ ولو جدلا ــ بترجيح وجود الضرر في ترك النظر، وفي الذهاب إلى إيجابه. وفي حالتي إيجاب النظر بتنبيه الداعي والخاطر، وهما الأصل في التنبيه كما سبق البيان، نجده ــ وإن نفى تنبيه الإمام ــ قد أثبت تنبيه الناس، أو البيئة المحيطة بالعاقل التي عبر عنها أبو هاشم الجبائي بـ «المعرفة بالعادات» ، وعدها من كمال العقل [1] . ولقائل أن يقول: هؤلاء الناس ما الذي عَرَّفَ أفرادَهم ما عَرَفُوه؟ حتى يَبلغ أوَّلَهم الذي عَرَفَ ربه .. هل عرفه بالوحي أو بتنبيهه، أو بتنبيه الخاطر؟ ذلك الخاطر الذي صرح الشريف المرتضى في «الذخيرة» بأن أصح الأقوال في جنسه أنه كلام يفعله الله ــ تعالى ــ داخل سمع المكلف، ويجوز أن يأمر الله بعض الملائكة بفعله، فيحصل قريبا من محل الفكر اليقيني حيث يقرب من صدره، ولهذا يلتبس بحديث النفس والفكر [2] . فهو ليس من حديث النفس ولا الفكر، وإن التبس بهما.

(1) - راجع القاضي: المغني ـ 12 / 266.

(2) - انظر المرتضى: الذخيرة ـ ص 172. وانظر الطوسي: التمهيد ـ ص 200. وهذا عين ما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي، كما أشرت آنفا، وكما ذكر القاضي في المغني ـ 12 / 402: 404.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت