فهرس الكتاب
* والمرتضى بهذا الكلام يرى أن الخاطر مستقل عن العقل، ومِن ثَمَّ فإنه لا يَسْلَمُ له على مستوى النظر ما يراه من استقلال العاقل بالنظر في معرفة الله وإيجابها؛ إذ يلزمه في إثبات تنبيه الناس والخاطر ما فرَّ منه حينما رفض تنبيه الكتاب والنبي، أو الإمام كما أخذ به متكلمو طائفته. وإن لم يكن الخاطر عنده من السمعيات، وكان مجرد منبه غير متضمن للمعارف [1] ؛ فهو أيضا ليس من جنس العقل كما يظهر من حده الذي قدمه في رسالة «الحدود والحقائق» ؛ حيث ذكر أنه عبارة عن قوة في القلب تقتضي التمييز. وهذا هو الرأي المُقدَّمُ عنده في حد العقل، وقد ذكر بعده عددا من التعريفات بصيغة التمريض، منها حد القاضي عبد الجبار فقال: «وقيل: هو العلوم الضرورية التى يتمكن بها من اكتساب العلوم إذا كملت شروطها. وقيل: العقل الذي هو مناط التكليف هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات. وقيل: هو غريزة العلوم الكلية البديهية عند سلامة الآلات» [2] . على أنه قد ورد في بعض أجوبة الشريف عن المسائل أن العقل من فعل الله ــ تعالى ــ وذكر أنه مجموع علوم، بين الناس فيه خلاف: هل يكون في الصغير غير البالغ، أو لا؟ واختار المرتضى أن الله ــ تعالى ــ يفعله متى شاء، وقد فعله في عيسى ــ عليه السلام ــ وهو طفل. كما ذكر أن مستقره القلب، وأن الناس لا يتفاضلون فيه؛ حتى إن الأنبياء ــ عليهم السلام ــ ليس لهم فيه مزية على سائر البشر، وإنما المزية في علوم أخرى.
(1) - وهذا هو الفاصل أيضا بين الخاطر والإلهام الذي يفيد المعرفة عند القائلين بإثباته.
(2) - المرتضى: رسائل ـ 2/ 277. والقاضي حدد مائية العقل في المغني ـ 11 / 375 بأنه: «عبارة عن جملة من العلوم المخصوصة، متى حصلت في المُكَلَّف صحَّ منه النظر والاستدلال والقيام بأداء ما كُلِّفَ به» .