أضف إلى ذلك أنه قد ورد ما يعارض ظهور أي مهدي غير عيسى عليه السلام وذلك في حديث (لا مهدي إلا عيسى بن مريم) .
والجواب أن التعارض إنما نشأ عن الروايات غير الصحيحة، ودعاوى المهدية التي ادعتها طوائف عبر التاريخ فحاولت كل طائفة أن تؤيد دعواها بهذه الأحاديث الباطلة، والمثبتون لأحاديث المهدي من أهل السنة لم يقولوا بأن كل ما ورد في شأنه هومن قبيل الصحيح المحتج به، بل إنهم متفقون على أن فيها الصحيح وفيها الحسن وفيها الضعيف، وفيها الموضوع أيضًا، فما كان منها موضوعًا أوضعيفًا فلا حجة فيه ولا يلتفت إليه ولا يعارض به غيره.
وأما ما صح منها فهومؤتلف غير مختلف، ومتفق غير مفترق، وهويتعلق بشخص واحد يأتي في آخر الزمان قبيل خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام، وهومحمد بن عبد اللّه الموصوف بالمهدي.
وأما ما دلت عليه أحاديث المهدي من امتلاء الأرض ظلمًا وجورًا قبل خروجه، وامتلائها عدلًا في زمانه، فليس فيها أي دلالة على خلوالأرض تمامًا من أهل الحق، واضمحلال الخير وتلاشيه قبل ظهوره، وإنما المقصود منها كثرة الشر وظهور الغلبة لأهله، ولا يعني ذلك بالضرورة عدم وجود طائفة على الحق قائمة بأمر الله.
كما لا يعني انتشار العدل في زمن المهدي ألا يكون للشر والباطل أي وجود، لأن المقصود كثرة الخير، وقوة أهل الإسلام، وحصول الغلبة والعاقبة هم، وقهرهم لعدوهم، وهذا لا ينفي وجود أشرار مغمورين في ذلك الزمان.
وسنة اللّه في خلقه أن يستمر الصراع بين الحق والباطل، وأن يقوى في بعض الأزمان جانب الخير على جانب الشر، وفي أزمان أخرى يقوى جانب الشر على جانب الخير، ولا تخلوالأرض من الأخيار إلا قبيل الساعة حين تقوم على شرار الخلق، ولا يبقى فيها من يقول الله الله.