فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 380

ثم عقَّب البيهقيُّ على الحديث قائلًا: «وَقَدْ كَانَ تَضْعِيفُ الْغَرَامَةِ عَلَى مَنْ سَرَقَ (أي أخفى أمواله ليتهرَّب من دفع الزكاة ويسرق حق الفقير) فِى ابْتِدَاءِ الإِسْلاَمِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا» .

وقد رُوي هذا الحديث في سنن النسائي (ج5/ص 12) [1] وقال المُحشِّي: «وهذا الحديث منسوخٌ» . أي أن أخذ الغرامة وتحريم الصدقة على محمد وآل محمد منسوخان. وتؤيد الشواهد التي ستأتي لاحقًا هذا المدَّعى. فتبيَّن إذن أنه لما كان دفع الزكاة على بعض المسلمين شديدًا وغير مستساغ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذها منهم بشدة وقوة حتى ولو استدعى الأمر قتالهم عليها كما شرحنا كل ذلك في كتابنا «الزكاة» ولذلك واحترازًا من أي تهمة باطلة قد يبثها المنافقون وبعض ضعاف الإيمان من أنه صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك ليأكل منهم هذا المال حرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه وعلى آله حتى لا يفسح أي مجال للشيطان ليلقي الشبهة في أذهان البعض بأنه إنما يتشدد كل هذا التشدد في أخذ الزكاة لأنه يريد أن يرتزق منها هو وأسرته وأقرباؤه، ونحن نعلم أنه في ذلك الزمن كان معاش النبيِّ ونسائه وأبنائه يؤمَّن عن طريق الفيء الذي أفاءه الله عليه من أموال بني النضير، ومن غنائم خيبر وأمثالها [2] ،

(1) أو في سنن النسائي الكبرى (ج2/ ص 8) . (المترجِم)

(2) هذا ما ذكرته كتب التاريخ والسيرة الموثوقة مثل سيرة ابن هشام (2/140) و (3/412) ، والأحكام السلطانية للمارودي (ص 161) وفتوح البلدان للبلاذري (ص 26) والخراج ليحي بن آدم (ص 36) ، فقد جاء فيها:

كانت أول أرضٍ افتتحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرض يهود بني النضير، وسبب ذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين خرج زعيمهم كعب بن الأشرف في أربعين فارسًا حتى قدم مكة، بعد معركة بدر، فأخذ يقسم لقريش أنه حليفهم ويحرضهم على قتال محمد ويعدهم بالنصرة، وأما السبب المباشر فإنه لمّا أَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بني النضيرَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ قَتِيلَيْنِ [قتلهما أحد أصحابه خطأً مع أنهما كانا معاهدين] فرأت بنو النضير أن الفرصة سانحة لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما علم الرسول بذلك قرر إجلاءهم وبعث إليهم يأمرهم بالجلاء عن بلده، لما كان منهم من الغدر والنكث. فأبوا ذلك وأذنوا بالمحاربة. فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحاصرهم خمس عشرة ليلة، ثم صالحوه على أن يخرجوا من بلده ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة [أي السلاح] والآلة، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرضهم ونخلهم والحلقة وسائر السلاح. فخرج بعضهم إلى خيبر ومنهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، في حين هاجر آخرون إلى الشام، وَخَلَصَتْ أَرْضُهُمْ كُلُّهَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلَّا مَا كَانَ لِيَمِينِ بْنِ عُمَيْرٍ وَأَبِي سَعْدِ بْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُمَا أَسْلَمَا قَبْلَ الظَّفَرِ فَأَحْرَزَ لَهُمَا إسْلَامُهُمَا جَمِيعَ أَمْوَالِهِمَا. وكان وقوع تلك الواقعة بعد ستة أشهر من معركة أحد أي في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة. وقَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَا سِوَى الْأَرْضَيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى المُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ إلَّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ [الأنصاريين] فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا فَقْرًا فَأَعْطَاهُمَا، وَحَبَسَ الْأَرْضَيْنِ الزراعية عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَيسْتَخْرِجُ منها نفقته ونفقة أَزْوَاجِهِ السنوية ، ثم ينفق الباقي على السلاح وإعداد عدة القتال في سبيل الله. وقبل قضية بني النضير كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حاز حوائط مخيريق السبعة إذْ كَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْرِيقٍ أنه كَانَ حَبْرًا عَالِمًا، ورَجُلًا غَنِيًّا كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنْ النّخْلِ وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِصِفَتِهِ وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ إلْفُ دِينِهِ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ، قَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ وَاللهِ إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّ نَصْرَ مُحَمّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ. قَالُوا: إنّ الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ قَالَ لَا سَبْتَ لَكُمْ. ثُمّ أَخَذَ سِلَاحَهُ فَخَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِأُحُدٍ وَعَهِدَ إلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ إنْ قُتِلْتُ هَذَا الْيَوْمَ فَأَمْوَالِي لِمُحَمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللهُ. فَلَمّا قُتِلَ قَبَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمْوَالَهُ وكانت سَبْعَةُ حَوَائِطَ، أي سبعة بساتين مزروعة فكانت عَامّةُ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بالمَدِينَةِ مِنْهَا.

وفي غزوة خيبر أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى القلاع السبعة التي تم افتتاحها كخمس الغنائم وأعطى باقي القلاع للمجاهدين، وأما أهْلُ فَدَكَ فَصَالَحُوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ أَرْضِهِمْ وَنَخْلِهِمْ يُعَامِلُهُمْ عَلَيْهِ وَلَهُمْ النِّصْفُ الْآخَرُ.

إذن طبقا لما ذكرناه في المتن لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أية حاجةٍ للاستفادة من الصدقات أو الارتزاق من مال الزكاة لذا كان يحترز عنها كل الاحتراز.

فظهر إذن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يأكل أو يرتزق بشيء من الصدقات وأما كلمة «الحرمة» التي جاءت في بعض الأحاديث فيبدو أنها ليست بمعناها الظاهر أو أنه قصد منها الكراهة. والواقع أن كلمة «التحريم» لم تأتِ أصلًا في كثير من مصادر الحديث مثل صحيح البخاري بل ما جاء هو عبارة «لا يأكل» وذلك مثلما جاء في حديث أكل الحسنين من تمر الصدقة الذي هو من الأحاديث المشهورة حيث روى البخاري [2/541] فقال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ (أي تمر الزكاة) فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ - رضي الله عنهما - يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً ، فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم لاَ يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ» ؟!» وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال للحسن بن علي: «أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟؟» . فكلمة «محرَّمة» التي وردت في بعض الروايات هي في الغالب من الرواية بالمعنى ومن ألفاظ المتحمِّسين، وإذا كانت لفظة التحريم دقيقة فإن هذا يكون من أحد الشؤون والخصوصيات الكثيرة الخاصَّة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده والتي لا تسري إلى غيره. فقد روى كتَّاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرَّم على نفسه الشريفة عددًا من الأشياء:

الأول: الزكاة كما مر معنا في المتن وقد رأينا أن هذا التحريم غير ثابت لأن آيات الكتاب لا تؤيده بل تعارضه.

الثاني: أكل البصل والثوم والكراث [نوع من البقل كريه الرائحة] النيِّئ.

الثالث: الأكل متَّكئًا حيث قال: «لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا» .

الرابع: الكتابة، كما تدل عليه الآية الكريمة: {وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ المُبْطِلُونَ} [العنكبوت/48] .

الخامس: قول الشعر بمدلول الآية الكريمة: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ} [يس/69] .

السادس: أن يخلع لأمة الحرب [أي درع القتال] بعد لبسه كما قال قبيل معركة أحد عندما كان رأيه البقاء في المدينة والتحصُّن فيها لكن أكثر أصحابه فضلوا الخروج فنزل عند رأيهم ولبس عدة الحرب القتال فندم أصحابه ورجعوا إليه وأرادوه أن يعمل برأيه في البقاء في المدينة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا أَخَذَ لأْمَةَ الْحرْبِ وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالخُرُوجِ إِلَى الْعَدُوِّ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُقَاتِلَ» [سنن البيهقي: 7/40] .

السابع: الالتفات إلى زخارف الدنيا كما تدل عليه الآية المباركة: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه/131] .

الثامن: خائنة الأعين، أي الإشارة بالرأس والعين، كما حصل يوم فتح مكة عندما أهدر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم دمَ «عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ» ، فجيء به إليه وطُلِب له من رسول الله الأمان فتأخر رسول الله عن مبايعته ثم قال: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حِينَ رَآنِى كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟» . فَقَالُوا: مَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللهِ مَا في نَفْسِكَ هَلاَّ أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ فقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ» . [سنن البيهقي: 8/205] .

التاسع: أن يعطي أحدًا أو يهديه بقصد أن يأخذ أكثر مما أعطى كما تدل عليه الآية: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدَّثر/6] .

العاشر: التزوج من امرأة تخاف الزواج منه كما حدث عندما قالت له ابنة النعمان بعد زواجها منه: «أعوذ بالله منك» ففارقها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الفور.

الحادي عشر: نكاح الحرة الكتابية.

الثاني عشر: نكاح الأمة المسلمة، لأن مثل هذا النكاح إنما يجوز بشرطين: الخوف من الوقع في الحرام وفقدان العفة، والثاني عدم القدرة على نكاح الحرة، وكلا الأمرين منتفيان بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . الثالث عشر: حرمة الزواج من نساء أخريات غير اللواتي تزوجهن كما قال له تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ.. الآية} [الأحزاب/52] .

فكل هذه الأمور كانت من خصائص النبيّ ولو فرضنا أنها كانت محرمة عليه فإن هذه الحرمة تختص به وحده وسرايتها إلى بقية المسلمين في غاية البُعْد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت