ميَّز اللهُ الإنسانَ وحدَه عن جميع كائنات الكرة الأرضية من جمادات ونباتات وحيوانات بالعقل والذكاء واختصَّه بالقدرة على التمييز بين الأمور. وهذه الميّزة هي التي منحته القدرة المنفردة على تسخير الطبيعة واستغلال ثرواتها وذخائرها، فأخضع جميع كائنات الأرض البسيطة لسيطرته وجعلها مطيعة له. أجل لقد منح هذا الامتياز الإنسان تسلطًا على الكائنات والموجودات الأخرى في هذا العالم فاستغلها لمنافعه أو استخدمها لتحقيق أغراضه وأهوائه واستفاد منها في تلبية حاجاته وتحقيق آماله، ونتيجةً لذلك توسَّع في رغباته يومًا بعد يوم. ولكن من الجهة الأخرى أدت هذه الميّزة والخاصيّة التي اختُصَّ بها الإنسان إلى قلقه الروحي واضطراب وجدانه حتى فقد راحة البال وسلبت عنه السكينة والطمأنينة، لأنه رغم استطاعته، بفضل امتلاكه لمزية الذكاء والتفكير هذه، أن يدرك حقيقة كثيرٍ من الأمور التي قد لا تدركها الموجودات الأخرى، إلا أن نور عقل الإنسان - مهما كان قويًا - يبقى شعلةً ضعيفة مثلها مثل مصباحٍ صغير أعطي لسائرٍ في وسط صحراء الوجود المظلمة المترامية الأطراف، كي يستكشف بها طريق عيشه ومعاده البعيد والطويل ويقطعه بسلام.