فالإنسان الذي يحركه دافع حب السيطرة على العالم والوقوف على جميع أسرار الكون، يجد نفسه بهذه الوسيلة الضعيفة التي مُنِحت له غير قادرٍ على تحقيق مناه. لأن سعة عالم الوجود وتعقيد أسراره أكبر بكثير من أن يستطيع الإنسان بعقله المجرَّد وتفكيره الذي يشبه الساق الكسيرة العرجاء أن يدركها. رغم ذلك يبقى الإنسان دائمًا في حالة سعي وتلاطم وبحثٍ واستكشافٍ للأسرار. وهذه الحالة تسيطر أحيانًا بشكل مفرط على بعض الناس فتجعلهم أسرى للأوهام والعواطف التي يعرف الجميع ما تؤدي إليه من جنون. هذا المد والجزر الروحي والصعود والهبوط العقلي والبحث يمنةً ويسرةً بالعاطفة والمنطق جعلت الإنسان في مسرح الحياة وفي معمعة أعمال معيشته تختلط أفعاله الحكيمة بأفعاله الجنونية وتمتزج ببعضها حتى لكأن الطبيعة تسخر منه وتستهزئ به أو تمزح معه.
وأيًا كان الأمر فإن هذا الإنسان يعيش في بحثٍ وسعيٍ دائبين كي يصل إلى شيءٍ يُسَكِّن روحه الهائجة المضطربة ويهدِّئُ ذهنه المشوش المتزلزل. ويبدو أنه لو حقق أمله هذا فإنه سيؤمِّن أيضًا حاجاته الجسمية التي توقعه باستمرار -من بداية حياته وحتى نهايتها- في متاعب ومشقات، أو على الأقل ستصبح حياته أسهل إذْ من البديهي أن راحة الجسم مرتبطةٌ تمامًا براحة الروح وسكينتها.
إن ما يطرحه تاريخ البشرية الطويل أمامنا بشأن هذه الحالة الإنسانية هو أن الإنسان خلال عمره الطويل قد وصل بعد سعيه الحثيث لتحقيق ذلك الهدف المنشود [سكينة الروح وطمأنينة النفس] إلى تلك الظواهر التي تُعرف باسم الأديان وخلّفها لنا. جميع أديان العالم بدءًا من المذاهب والنحل الأسطورية القديمة ومرورًا بالأديان الحيَّة الموجودة حاليًا تعكس هذه الحقيقة.