الصفحة 10 من 199

فمثل هذا العمل لم يكن رائجًا في الصدر الأول، ولذلك كان «الشعبي» (أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفي المتوفى 104 هـ ق) - الذي يُعتَبر من علماء الإسلام الكبار، وقد لَقِيَ أكثر من مئة وخمسين صحابيًا، وأخذ عنهم الحديث -، يقول - كما ينقل عنه ابن بطّال: «لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور لزرت قبر النبيّ [و في رواية: لَزُرْتُ قبرَ ابْنَتِي] » [1] .

أي أنه حتى بعد مرور مئة عام على الهجرة لم يكن هناك زيارات جماعيَّة للمراقد بالصورة التي نشأت فيما بعد. ولا ندري متى شاعت هذه البدعة بين المسلمين ومتى راجت كل هذا الرواج بين الشيعة؟ وأما ما قيل من أن أول من زار الإمامَ أبا عبد الله الحسين عليه السلام في كربلاء، كان الصحابي الجليل «جابر ابن عبد الله الأنصاري» ، فلا يمكننا أن نصدق مثل هذه الروايات ونستند إليها، وذلك لكثرة الرواة الكذبة والغلاة الذين لا حصر لهم بين رواة تلك الزيارات، وعلى فرض صحة تلك الرواية فليس فيها مطلقًا ما يدل على أنَّ جابرَ إنما زار ذلك القبر متوسلًا متمسِّحًا وبوصفه يؤدي طقسًا معينًا..، لاسيما أنه لم يكن لمرقد الإمام الهمام عليه السلام في ذلك الزمن بناءٌ ولا قبَّةٌ ولا ضريحٌ... ولم يقم ذلك الصحابي الجليل بالأعمال التي يقوم بها الزائرون اليوم في حرم ومرقد ذلك الإمام مثل الطواف وطلب الحوائج والاستشفاع...، بل أكثر ما يمكن قوله هو أن جابر زار قبر سيد الشهداء عليه السلام ليدعو الله تعالى الحيّ القيوم له بالرحمة والغفران. وأيًا كان الأمر فلا يمكن اعتبار هذه الواقعة دليلًا محكمًا وشاهدًا معتبرًا على شدّ الرحال لزيارات المراقد.

(1) ورد هذا الحديث في عدد من كتب الحديث، مثل «المصنف» لـ عبد الرزاق الصنعاني (ج3/ص569) وفي بعض طرقه كلمة «ابنتي» بدلًا من كلمة «النبي» ، وهذا لا يغير من حقيقة النهي شيئًا!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت