الصفحة 24 من 199

أجل، لم يكن في نظر عليٍّ - إبراهيم زمانه المحطم للأصنام - أيُّ فرق بين أن يعتلي كتف النبي (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في فتح مكة لكي يُخْرِجَ الأصنام من بيت الله ويطرحها أرضًا فيجعلها حطامًا، وبين أن يذهب إلى القبور ويحطِّم القبور المشرفة فيسوي بها الأرض، فكلا الأمرين أمرُ رسول الله ورضا رب العالمين. فكيف لا يرى ذلك الشخص العظيم، ببصيرته النافذة وتفكيره البعيد، أنه من الممكن لهذه الأمة التي تخلّصت حديثًا من ظلمات الجاهلية، أن تحوِّلَ - عن قريبٍ - قبرَ ابنةِ النبيِّ الوحيدة، التي حازت مزايا ومناقب خاصة من جانب رسول الله (صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) كقوله: «فاطمة بضعة مني» و «فاطمة سيدة نساء العالمين» ، إلى مزارٍ، أو بتعبير أصح إلى معبد أوثان جديد مثل تلك التي أُمِرَ بهدمها، فقام بدفنها في وسط الليل حتى لا يطلع أحد مكانها أحد فيتخذه مزارًا؟!

وكيف لا يوصي نبراس التوحيد ذاك عليه السلام بدفن جثمانه على نحو لا يعلم بمكان قبره أحد، وهو يرى بعين اليقين والبصيرة ما سيحدث لقبره فيما بعد، كيف لا وقد رأى في حياته أشخاصًا رفعوه إلى حد الإلهية فاعتبره بعضهم اللهَ ربَّهم وخالقَهم؟! إلى الحد الذي اضطر لأجل ثنيهم عن تلك العقيدة الفاسدة أن يهدّدهم بالقتل والحرق، بل أن ينفذ ذلك، حسب ما ذكرته بعض التواريخ، ورغم ذلك لم يرجع أولئك الأفراد عن عقيدتهم واحترقوا وماتوا عليها. أفلا يجب على مثل ذلك الإمام أن يخفي قبره وقبر ابنة رسول الله عليهما السلام عن أنظار الناس حديثي العهد بالجاهلية؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت