فهرس الكتاب
ولكن بعد مرور قرن من الزمن سمح عمر بن عبد العزيز بتدوين الأحاديث فكثر التدوين وراج وأصبح نقل الروايات والأخبار من مفاخر وامتيازات ذلك العهد ووصل الأمر إلى حد أن أصبح بيع وشراء الأخبار من أغلى متاع ذلك الزمن! ومن المعروف أنه قبل ذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان، كان أبو هريرة أو سمرة بن جندب (أو شخصٌ آخر) قد قبض كلٌّ منهما من معاوية أربعمئة ألف درهم ليروي حديثًا واحدًا كاذبًا!
وفي النهاية وصلت كثرة الأحاديث في زمن الإمام أحمد بن حنبل إلى درجة أنه جمع مسنده الذي يضم الآن بضعة وثلاثين ألف حديث من أصل مليون حديث! كما جمع الإمام البخاري صحيحه الذي يضم الآن سبعة آلاف حديث من أصل سبعمئة وخمسين ألف حديث، وكذا اختار مسلم أحاديث صحيحه البالغة أربعة آلاف من أصل ثلاثمئة ألف حديث!
ولم يكن هذا العمل - أي حركة الوضع - مقتصرًا على أشخاصٍ في أوساط العامة المشتهرين بأهل السنة بل كانت شدته أكثر في أوساط الفريق الذي يطلق عليه اليوم اسم الشيعة، وكانوا يُنْبَذُون في ذلك الزمن بلقب الرافضة، الذين كانوا في الواقع أحزابًا سريَّةً، فكان وضع الحديث لديهم أكثر، وعلة ذلك أن معارفهم وآثارهم لم تكن تحت الرقابة ولا كانت مشهورةً ولم تبقَ لدى حزب خاصٍ أو جماعة محددة بل كانت كل يوم تنتشر وتُتَناقل خُفْيَةً من جماعة إلى أخرى إلى حد أن جماعة واحدة كانت تنشعب إلى عشر جماعات أحيانًا.
وكان أكثر الوضّاعين الكذَّابين في العراق، إلى حدِّ قول بعضهم أن من كل ألف حديث لمحدِّثي العراق، 999 منها كذبٌ، وواحدٌ منها موضعُ شكّ!!.