فهرس الكتاب
فإذا كان سيف الله خالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية، لا يساوي العمل الكثير منهم القليل من عبد الرحمن بن عوف وغيره ممن تقدم إسلامه، مع أن الكل تشرف بصحبته صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن لم يحصل له شرف الصحبة بالنسبة إلى أولئك الأخيار، إن البون لشاسع، وإن الشقة لبعيدة، فما أبعد الثرى من الثريا، بل وما أبعد الأرض السابعة عن السماء السابعة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ( [143] ) .
قال أبو محمد بن حزم في شرحه لهذا الحديث: فكان نصف مد شعير أو تمر في ذلك الوقت، أفضل من جبل أحد ذهبًا ننفقه نحن في سبيل الله تعالى بعد ذلك. قال الله تعالى: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) ) [الحديد:10] . وهذا في الصحابة فيما بينهم، فكيف بمن بعدهم معهم رضي الله عنهم أجمعين. اهـ ( [144] ) .
وقال حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: والمعنى أن جهد المقل منهم، واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله، مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه، أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم. اهـ ( [145] ) .
وقال القاضي عياض: (.... وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم وسائر طاعتهم، وقد قال الله تعالى:(( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) ) [الحديد:10] ، هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حق جهاده، وفضيلة الصحبة -ولو لحظة- لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. اهـ ( [146] ) .