فهرس الكتاب
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن البيضاوي في شرح الحديث المتقدم أنه قال: معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية. قال الحافظ: وأعظم من ذلك -في سبب الأفضلية- عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) ) [الحديد:10] ، فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا؛ لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به، بخلاف ما وقع بعد ذلك؛ لأن المسلمين كثروا بعد الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم. اهـ ( [147] ) .
فالذي يستفاد من كلام هؤلاء الأئمة الذين قدمنا نقولهم أن الصحابة لا يدركهم أحد في فضلهم وعملهم ورضا الله عنهم أجمعين، بل إن القليل من عملهم لا يوازيه عمل غيرهم مهما بلغ من الكثرة، ومهما صاحبه من إخلاص وصدق ويقين وإيمان وذلك فضله تعالى يؤتيه من يشاء. روى ابن بطة بالإسناد الصحيح -كما في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية - أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، خير من عمل أحدكم أربعين سنة) . وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم عمره) ( [148] ) .
وروى أبو داود بإسناده إلى سعيد بن زيد رضي الله عنه أنه قال -بعد أن ذكر العشرة المبشرين بالجنة-: (لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه، خير من عمل أحدكم عمره ولو عمّر عمر نوح) ( [149] ) فسعيد بن زيد رضي الله عنه يريد بهذا عموم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.