الصفحة 76 من 1329

وتلك الدعوة التي قدمنا شرحها -بما يوضح المراد منها- بأقوال أهل العلم، كان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها القسط الأكبر والحظ الأوفر؛ لأنهم هم الذين تلقوا كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما المصدران اللذان اشتملا على الهدى والنور، والصحابة رضي الله عنهم هم الذين تلقوا هذا الخير وهذا النور وهذا الهدى، وأدوه إلى من بعدهم، فكل إنسان يأتي بعدهم فلهم عليه منة، ولهم عليه فضل؛ لأن هذا الهدى وهذا الخير الذي حصل لم يحصل إلا بواسطتهم رضي الله عنهم، فكل من استفاد منه فلهم مثل أجره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إذ أنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» ( [164] ) ، وقبلهم رضي الله عنهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، الذي جاء بهذا الخير وهذا الهدى، فكل من اهتدى، وكل من استفاد، وكل من دخل في دين الله وعمل صالحًا، فإن الله يثيب نبيه صلى الله عليه وسلم بمثل ما يثيب به ذلك العامل من غير أن ينقص من أجر العامل شيء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو الذي دعا الناس إلى هذا الهدى، فله مثل أجور كل من استفاد خيرًا بسببه، والصحابة رضي لله عنهم هم الصلة الوثيقة التي تربط المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم، فهم الذين جمعوا القرآن، وهم الذين حفظوه، وهم الذين أوصلوه إلى من بعدهم، وهم الذين تلقوا السنة وأدوها إلى من بعدهم؛ فصار لهم الثواب الجزيل والأجر العظيم، ولقد شرفهم الله في الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعة سيد الأولين والآخرين، كما شرفهم بسماعهم كلامه من فمه الشريف صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، فالذي يطعن في أولئك الأخيار، وأولئك الأسلاف، فقد عمد إلى قطع الصلة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك ضلالًا وخذلانًا والعياذ بالله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت