فهرس الكتاب

الصفحة 6985 من 8423

وإضافة لذلك، تطلع نادر شاه نحو العراق، وكأن قدر العراق أن يظل مطمعًا لكل من يحكم إيران، فقبل نادر شاه لا نكاد نجد حاكمًا من حكام الصفويين إلاّ واحتل العراق أو حاول احتلاله، وكذلك كان شأن ملوك الامبراطورية الفارسية قبل الإسلام، الذين كانوا يرون العراق امتدادًا طبيعيًا لدولتهم.

لم يجنِ العراق وأهله من أطماع نادر شاه سوى الويلات والدّمار، ففي الأيام الأولى من عام 1733م، تقدم نادر شاه نحو بغداد، ولمّا تعذر عليه دخولها، فرض الحصار عليها، وطوّقها من جميع جهاتها، فانقطع عنها التموين، وأخذت أسعار الأطعمة فيها ترتفع شيئًا فشيئًا [1] .

يقول د. الوردي:"أدرك نادر قلي أنه غير قادر على فتح بغداد عن طريق الهجوم المباشر وذلك لضعف مدافعه بالمقارنة إلى المدافع العثمانية من جهة، ولمناعة سور بغداد وصمود المدافعين عنه من الجهة الأخرى، فلجأ إلى طريقة الحصار الطويل والتجويع، والواقع أنه نجح في ذلك نجاحًا غير قليل، فقد استفحلت المجاعة في بغداد بحيث صار الناس يأكلون الكلاب والقطط ويمتصون دماءها ويمضغون جلودها" [2] .

وينقل الأثري عن علامة العراق الشيخ عبد الله السويدي، والذي كان شاهد عيان على هذا الحصار الظالم، قوله:"ولم يزل الأمر كذلك إلى نفذ الزاد، وقلّت الميرة، وضألت (نحفت) العباد، ووقعت في حيرة، فأكلوا لحوم الخيل والبغال والحمير، والكلاب والسنانير (القطط) ، وامتصوا الدم، ومضغوا الإهاب... وبيعت الأبكارُ العذارى، بأرغفة الشعير، واستولى على الناس رديّ الأفكار، فهم حيارى بل سُكارى لهذا الأمر الخطير" [3] .

وفي كل مرّة كان نادر شاه يضطر فيها لإنهاء حصاره عن بغداد، كان يعود لحصار جديد ولمعركة جديدة تطالها وتطال مدن العراق الأخرى، وخاصة البصرة والموصل وكركوك وأربيل.

(1) ..."لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" (ص111) .

(2) ... المصدر السابق (ص112) .

(3) ..."ذرائع العصبيات" (ص 55 - 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت