فهرس الكتاب

الصفحة 8040 من 8423

ولكل هذه الأسباب تتجاوز العلاقات الإيرانية-التركية في أبعادها السياسية والإستراتيجية معاني أي علاقات ثنائية بين بلدين غير عربيين، إذ إن طبيعتها الخاصة تجعلها تؤثر مباشرة في واقع منطقة الشرق الأوسط. ولئن أمكن -نظريًا و «ستاتيكيًا» - اعتبار إيران وتركيا عمقًا حضاريًا وجغرافيًا للدول العربية، إلا أن هذا الاعتبار لا يجد ترجمته أوتوماتيكيًا على أرض الواقع، إلا من خلال سياسات عربية فاعلة تستخرج من طاقات إيران وتركيا ما يفيد المصالح العربية وتحيّد ما قد يطرأ من تناقض في المصالح بينها وبين أي من إيران أو تركيا.

ولكن في حالات الغياب العربي عن الحضور والفعل، يكون طبيعيًا أن تتمدد الأدوار الإقليمية لكل من طهران وأنقرة لملء الفراغات، وهذا التمدد بدوره يضع الدول العربية في بؤرة الاهتمام الإيراني والتركي. تأسيسًا على ذلك تعتبر الأقطار العربية محددًا ثابتًا في معادلة العلاقات الثنائية بين إيران وتركيا، باعتبارها ترمومترًا لقياس درجات التمدد الإقليمي لهما.

شهدت العلاقات الإيرانية-التركية فترات مد وجزر تعاقبت في اتصال لم ينقطع منذ مئات السنين، وكأن معطيات الجغرافيا قد أبت إلا أن تكون ناظمًا لوتائر من الشد والجذب، طغت على العلاقات الإيرانية-التركية منذ ما يزيد على خمسمئة عام. ومثلما كانت الجغرافيا حاضرة في مسار تطور هذه العلاقات، فقد كان التاريخ شاهدًا على الصراع بي

ن المشروعين الصفوي الإيراني من جهة، والعثماني التركي من جهة أخرى، إذ مثل الشاه عباس الصفوي ذروة المشروع الأول والسلطان مراد الثالث قمة المشروع الثاني. ولتجذير التناقض بين المشروعين ولتثبيت هوية معادية للسلطنة العثمانية، فقد عمد السلطان إسماعيل الصفوي إلى إعلان تشيع إيران لتدعيم قدراتها الصراعية مع تركيا بالروافد المذهبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت