فهرس الكتاب
إن الخروج من المسجد، وعدم سماع الخطبة لم يحصل من جميع الصحابة الذين يزعم الإثنا عشرية أنهم ارتدوا؛ فقد ثبت أن أبا بكر وعمر وغيرهما بقوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفارقوه وقت الخطبة؛ ففي الصحيحين- واللفظ لمسلم- عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يوم الجمعة، إذ قدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر. قال: ونزلت هذه الآية: (( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا ) ) [الجمعة:11] » ( [841] )
وهذا الحديث من مناقب أبي بكر وعمر، وهو حجة على الشيعة. أما الصحابة الذين انفضوا فقد كان ذلك منهم عقب الصلاة؛ إذ كانت الخطبة وقتها بعد الصلاة كما رجح ذلك غير واحد منأهل العلم ( [842] ) .
وروى أبو داود بسند رجاله ثقات إلى مقاتل بن حيان ( [843] ) أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي انفضوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة ( [844] ) ؛ قال النووي رحمه الله: (قال القاضي: وذكر أبو داود في مراسيله أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم هذه التي انفضوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة، وظنوا أنه لا شيء عليهم في الانفضاض عن الخطبة، وأنه قبل هذه القضية إنما كان يصلي قبل الخطبة، قال القاضي: هذا أشبه بحال الصحابة والمظنون بهم أنهم ما كانوا يدَعوْن الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ظنوا جواز الانصراف بعد انقضاء الصلاة) ( [845] ) .
وهذا الانصراف لا يقدح في الصحابة رضي الله عنهم، فهم ليسوا معصومين عن ارتكاب الذنوب، وقد ندموا على ذلك وتابوا فتاب الله عليهم، وأخبر بتوبته عليهم ورضاه عنهم لما اتبعوا نبيهم في غزوة تبوك في قوله: (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) ) [التوبة:117] .