كان وجود الإمام المعصوم عند الشيعة من الدوافع الرئيسة للإستغناء عن الإجتهاد وسائر ما يتعلق به من مصادر التشريع الأخرى المتعارف عليها عند أهل السنة وبقية المذاهب كالقياس وغيره، وكذلك رد أي صورة من صور النيابة عن المعصوم، بل ومحاربة هذه المسائل، ولم يتعدى دور الشيعة الأوائل وهم الإخباريين جمع الروايات ونشرها، إيمانًا منهم بأن تلك النصوص مجزية في فترة الغيبة الكبرى. ولم تتجاوز صورة التشيع في بداياته هذا المفهوم.
وتتجلّى هذه الحقيقة في الشيعة الأوائل في وضع مصنفات ترد قضية الإجتهاد والقياس، وتحارب كل من أراد فتح هذا الباب.
ولعل خير مثال على ذلك الجنيد المتوفى سنة 378 للهجرة والذي ألف كتابه"تهذيب الشيعة"وأخذ فيه بالقياس والاجتهاد واستنبط الفروع على قرار علماء أهل السنة. فأثار سخط أضرابه الذين تصدوا لمنهجه بمصنفات، كما فعل المفيد في كتابه"النقض على ابن الجنيد". والمرتضى في"الانتصار"وفي"الشافي في الإمامة". ولا مجال في هذا المختصر للتطرق إلى تفاصيل كل هذا.
ولكن الزمن طال، والإمام المعصوم غائب، والمنهج الإخباري لا يستطيع مقاومة المتغيرات والمستجدات والإكتفاء بحبس ذاته في النصوص دون الرغبة في التحرر منها.
فكانت هذه الضغوط هي البوادر الأولى للإنعتاق من القيود التي تحد من مواجهة النوازل ليؤسسوا لما عرف فيما بعد بالمنهج الأصولي.