فهرس الكتاب
هكذا نفهم أنه ليس من السهل الإنتقال المباشر من نظرية حكومة المعصوم إلى فكرة الشورى المناهضة لها في النظام السياسي. في حين أن من السهل - نسبيًا - التحول من تلك النظرية إلى نظرية حكومة الفقيه المطلقة، خاصة بعد أن ظهرت وسادت بعض الممهدات لهذا السبيل، من قبيل فكرة إعتبار الفقيه نائبًا عامًا للإمام الغائب.
وبالفعل فإن هذه النظرية هي التي أخذت مجراها في التطبيق من خلال تأسيس دولة تقوم على الولاية المطلقة للفقيه، والتي صادف أن قام بتأسيسها رجل يعد أول من حثّ عليها بقوة وإصرار وإعتبارها من أُولى الضرورات، وهو الإمام الخميني الذي إستند في حركته على بعض الممهدات النظرية. إذ قبل ذلك دعى الشيخ أحمد النراقي خلال القرن التاسع عشر إلى تلك الولاية من الناحية النظرية، وهي دعوة تأخذ بنظر الإعتبار المستثنيات غير الداخلة تحت مظلة هذه الولاية تبعًا للنص أو الإجماع أو غيرهما. وكما يقول النراقي: «كما كان للنبي والإمام - الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام - الولاية؛ فللفقيه أيضًا ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما» ( [5] ) . لكنها على ما يبدو لا ترى من بين هذه المستثنيات ما يتعلق بالنظام السياسي المرتهن بالإمام المعصوم تبعًا لما ورد حوله من نصوص غزيرة دالة على هذه الخصوصية، بل على العكس هناك إشارات عديدة تجعل من ولاية الفقيه ممتدة إلى ذلك النظام بأكمله ( [6] ) . والنراقي بهذا يعد أول من نظّر إلى الولاية المطلقة للفقيه في (عوائد الايام) ، وقد أفاد منه الإمام الخميني كثيرًا في كتابه (الحكومة الإسلامية) حتى إستطاع أن يؤسس على ذلك دولته الخاصة بتلك الولاية؛ كتجربة أُولى حديثة لم يسبق لها نظير من التطبيق في التاريخ الشيعي.