سؤال الأموات والطلب منهم شرك أكبر مطلقًا حتى ولو سألهم ما يقدرون عليه لو كانوا أحياء كأن يعطيك مالًا أو أن يشفع ويتوسط لك عند الله.
ونقول من باب الاستطراد:
سؤال الجنّ، كسؤال الإنس، فإن كانوا يسمعون كلامك، فإن خاطبتهم عن سماع ورؤية، أو مخاطبة مثل قصة أبي بن كعب أنه كان لهم جرين فيه تمر وكان مما يتعاهده فيجده ينقص فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة كهيئة الغلام المحتلم قال فسلمت فرد السلام فقلت ما أنت جن أم أنس فقال جن فقلت ناولني يدك فإذا يد كلب وشعر كلب فقلت هكذا خلق الجن فقال لقد علمت الجن أنه ما فيهم من هو أشد مني فقلت ما يحملك على ما صنعت قال بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببت أن أصيب من طعامك قلت فما الذي يحرزنا منكم فقال هذه الآية آية الكرسي قال فتركته وغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الخبيث قال أبو حاتم اسم بن أبي بن كعب هو الطفيل بن أبي بن كعب صححه ابن حبان.
ومثل أيضا المصروع، فتسألهم ما يقدرون عليه، مثل لو سألتهم عن الضالة فهذا فيه خلاف إلا أن الجن فيهم كذب فلا تؤخذ أخبارهم والأقرب المنع لأنه لا يطلب من الجن لو كان عن حضور. قال تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا .. } أما إن كانوا لا يقدرون عليه كسؤالهم السلامة والشفاء، أو كانوا يقدرون عليه لكن سألتهم لا عن سماع ورؤية فهذا شرك .. قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس فزادوهم رهقا} . ولما روى البخاري عن ابن مسعود قال كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس فزادوهم رهقا} مما يُبين المراد قال: وقوله تعالى (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون لرجال من الجن فزادوهم رهقا) أي كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقا أي خوفا وإرهابا وذعرا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم كما قال قتادة (فزادوهم رهقا) أي إثما وازدادت الجن عليهم بذلك جرأة وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم (فزادوهم رهقا) أي ازدادت الجن عليهم جرأة وقال السدي كان رجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي قال قتادة فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي حدثنا الزبير ابن الخريت عن عكرمة قال كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد فكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن فيقول سيد القوم نعوذ بسيد أهل هذا الوادي فقال الجن نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون فذلك قول الله عز وجل (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) أي إثما.