فهرس الكتاب
أرأيت كيف شهد الله لهذه الطائفة من فِرقة الأعراب بصحة ما اعتقدت، وبتصديق رجائها، وكيف استأنف النظم القرآني بحرفي التنبيه:"ألا"للاهتمام بها ليَعيها السامع، والتوكيد والتحقيق إن، وكلاهما يؤذن بثبات الأمر وتمكنه، وبإزالة الشك والإنكار، وبالاحتجاج للقضية، وأكد فوزهم ونجاتهم بـ السين، الذي يفيد تحقيق الوعد، فما أدل هذا الكلام بذلك كله على رضا الله
-تعالى- عن هذه الطائفة وعن عملها! [1] .
فكيف نَغبنها حقها بهذا التعميم الذي يَحصرهم جميعًا في فِرقة واحدة، وأين الباحث من المنهج الإسلامي في هذا التقسيم العدل، البعيد عن التعميمات، المراعي للواقع في قوله -تعالى- عن الأعراب - أيضًا: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ * وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 101، 102] .
لست بحاجة إلى التذكير حول هذه الآيات بالمقولة المُجمَع عليها، العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما أن ظهور عادات لا تمتُّ إلى الإسلام بصلة في تنصيب السلطان أو غيره كان في نطاق ضيق، وفي طور معيَّن، أو مكان دون مكان، وربما يكون سببها الجهل، أو أنه لم يظهر للقوم رأي الدين فيها في ذلك الوقت، ولا أدل على صحة هذا من مسارعة العلماء والسلاطين إلى إنكار البِدع والتقاليد التي يظهر لهم مخالفتها للدين الإسلامي، كما هو الحال لأسكيا محمد وغيره، وكذلك ابنه أسكيا داود الذي استجاب لإنكار أحد الفقهاء ظاهرة التتريب [2] .
يقول آدم عبدالله الآلوري عن ملوك الإمبراطوريات الإسلامية في غرب إفريقيا: إن أكثر أولئك السلاطين علماء وفقهاء، وإذا لم يكن السلطان نفسه عالمًا فقيهًا اتخذ أحد العلماء المبرزين وزيرًا يُدير له الدولة على وفق الشريعة، ولا بدَّ من هيئة شورية على شكل لجنة الفتوى من كبار العلماء والفقهاء [3] ، وكان السلاطين والملوك يَحترمون هؤلاء العلماء والفقهاء، ويزورونهم في بيوتهم، ويستفتونهم، ويُشاورنهم في شؤون الدولة وما تتعرَّض له من أخطار، ويأتمرون بأمرهم [4] ، وذكر البكري أن سنغاي
(1) انظر: تفسير"الكشاف"؛ للزمخشري 2: 169 مكتبة المعارف بالرياض، بدون.
(2) انظر: أسيكا الحاج محمد / 74، والإسلام والمجتمع السوداني / 232.
(3) الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فودي الفلاني / 74، ط 4 عام 1398 هـ 1978 م.
(4) انظر: تجارة القوافل بين المغرب والسودان الغربي وآثارها الحضارية حتى القرن السادس عشر الميلادي، د: الشيخ الأمين عوض الله، 97 تجارة القوافل ودورها الحضاري حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي (مرجع سابق) ، وإفريقيا الغربية في ظل الإسلام / 175.