فتحت سائر المغرب كمصر، والقيروان، والأندلس، وغير ذلك، وكانت في أيامه أقوم الطوائف بدين الإسلام عِلمًا وعملًا وجهادًا عن شرق الأرض وغربها [1] ، ومِن ثَمَّ كيف يمكن القول: ارتبط انتشار الدعوة الإسلامية في غرب إفريقيا بانتشار الطرق الصوفية [2] ؟!
من الأسباب والدوافع - أيضًا:
ما يتمثَّل في جهل كثير من أبناء الإسلام بالحضارة الإسلامية في المنطقة، وبدور شعوبها في الحركة الإصلاحية والعِلمية والثقافية، وعلاقاتها السياسية والدينية والاقتصادية بالعالم الخارجي في القرون الوسطى الأوروبية إلى سيطرة الاحتلال الأوروبي على المنطقة، وبعض من يهتم بها ينظر إليها بعين العدو، ويتزود بمعلوماته المشوَّهة على أنها مسلمات أو بدهيات لا تحتاج إلى تمحيص وتحقيق، ذلك العدو الذي لا يزال يُنقِّب في الأرض عسى أن يَعثر على آثار فيها إيماءة إما إلى أسبقية المسيحية إلى المنطقة، أو إلى عدم التأثير الإسلامي فيها، ولا يتورَّع عندما تُضيِّق الأدلة التاريخية والنقلية عليه الخناق من وسم الإسلام فيها بنحو: إسلام أسود، أو إسلام سطحي.
وقد يعتمد ذلك المهتم على تقارير عَجلى من زيارات خاطفة لا تستند إلى سند معرفي صحيح في تاريخ الإسلام بالمنطقة، ولا مخالطة قوية للمسلمين، وقد تَقتصِر الزيارة فقط على جزء من مدينة أو مسجد أو مدرسة إسلامية، أو على لقاء بعض المسلمين الذين قد يُقدِّمون لهم صورة الإسلام في البلد من وجهة نظرهم فقط، وقد تتوافق هذه الزيارة مع مناسبة معيَّنة لطائفة تقوم على بدع وخرافات ومخالفات دينية، ومن ثم يُصدِر الزائر حكمًا عامًّا مبرمًا على الإسلام والمسلمين جميعًا، والغريب مع هذا كله أن هذه التقارير العَجلى قد ينظر إليها على أنها بحوث علمية منقَّحة، أو دراسات ميدانية، ثم تُستغَل وثائق إدانة لا تحتاج إلى تثبُّت وتبيُّن وتدقيق.
ومما وطد ذلك الجهل المعاصر ما يسود وسائل الإعلام من تشويه متعمَّد للقارة بتصويرها - كلها - في صورة غابة من المرضى عقليًّا وجسميًّا وحضارة وثقافة ومعيشة، أو غابة للمُتقاتلين لأتفه سبب، ولسان الحال يقول - في مقدمة سهلة: إذا كان هذا شأنهم في القرن العشرين أو الحادي والعشرين فما عسى أن تجد عنهم في القرون الأوروبية الوسطى، وتكون النتيجة الحتمية لهذه المقدمة عليك بعالم غير إفريقيا، قريب من السبب السابق ما تجده لدى بعض القوميين العرب المعاصرين من التجاهُل بمحاولة إنكار
(1) انظر: مجموع الفتاوي؛ لابن تيمية، جمعة عبدالرحمن بن قاسم 28: 532 عالم الكتب، الرياض، عام 1412 هـ - 1991 م.
(2) انظر: الحضارة الإسلامية العربية في غرب إفريقيا، سماتها وانتشارها؛ د: شوقي الجمل، مجلة الدراسات الإفريقية (ص: 44) .