تأمل أيها القارئ، تصوير شيخ الإسلام ابن تيمية لنفوذ النصارى في المغرب قبل هذا الغزو بأكثر من قرنين ونصف ليَزول عنك الاستغراب، ففي وصف أحوال العالم الإسلامي في أيامه، وبعد ذِكر اليمن والحجاز وشمال إفريقيا يقول:"وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم لا يقومون بجهاد النصارى هناك، بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم" [1] .
ولقد أخذت إسبانيا تهتم بتنبكتو، وغاو وبباحثي تاريخ المنطقة من أبنائهما خاصة كي يعفو بتاريخ أولئك، بل تبنَّت أحدهم وهو (إسماعيل جاجي حيدرة) الذي يعيش فيها، ووفرت له كل الوسائل ليكتب بالإسبانية بحوثًا ودراسات تتعلق بهم - إن حقًّا أو باطلًا - وبتاريخهم في الأجزاء الشرقية والشمالية من مالي [2] ، ويزورهما - (أي الأجزاء الشرقية والشمالية) - في السنة آلاف السياح الإسبان وغيرهم من الأوروبيين والأمريكان في آخِر سفر لي إلى هذه المدينة الغالية"تنبكتو"صيف عام 2000 م، وفي رحلة العودة بالسيارة إلى مدينة دونزا - على بعد مائتي كيلو مترًا على الطريق المبعدة التي تربط جنوب مالي بشمالها، وشرقها بغربها - وما أدراك ما في السفر بالسيارة إلى هذه المدينة التي أصبَحت كأنها"جزيرة برية"! إن السفر إليها إذا لم يتم جوًّا - رحلتان في الأسبوع - فيا له من مُعاناة! ومَشقَّة سفر مضاعَفة نفسيًّا وبدنيًّا، فكل الطرق البرية إلى هذه المدينة العزيزة صحراوية بمعنى الكلمة، ودليلك الخبير بها آثار السيارات، أما السفر إليها عبر نهر النيجر فلا يمكن إلا في أغسطس إلى نهاية السنة - غالبًا - ومع ذلك كله ترى وفود السياح الغربيين إليها بالآلاف في رحلات برية وفي عزِّ الصيف
(1) مجموع الفتاوى 28 - 532، وانظر في قوة اليهود والنصارى أيام الدولة المريئية 591، 957، 1195. 1550 م، وأيام السعديين والمنصور الذهبي: مجلة الاجتهاد عدد 34، 35 سنة 9، شتاء وربيع 1417، 1997 م، (ص: 93، 94، 99) بحث «دور يهود الجنوب المغربي في تجارة القوافل الصحراوية» محمد أرحو، وبداية الحكم المغربي - 157، 191.
(2) انظر عن جهوده: مقال سينان أندرياميرلدو في مجلة «إفريقيا الفتاة» (مرجع سابق هامش 91) .