فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 30

-ومن مظاهر هذا الجانب التشويهي: الزعم بأن المنطقة لم تعرف الحضارة إلا بعد مجيء الاستعمار، بل وصل الأمر ببعضهم إلى إنكار وجود أية صلة ثقافية بين إفريقيا جنوب الصحراء وبين شمالها مُتجاهلًا ما تُجمع عليه المصادر العربية والإفريقية وتؤكِّده من ازدهار القوافل التجارية بين شرق وشمال القارة وغربها قبل الإسلام، تلك المصادر القديمة التي تعدُّ أبرز المصادر الأساسية في تاريخ المنطقة؛ بسبب ما تحويه من معلومات مصادرها زيارات شخصية للمنطقة، أو أجوبة علمائها وملوكها الذين شرقوا عن أسئلة تتعلق بها أو لوفود الحج ونحوهم، أو ما تناقلته القوافل التجارية والجاليات التي عاشت فيها، يؤيدها كثير من الروايات الشفوية التي دونت أخيرًا، أو التي لا تزال تروى من النسابين الشعبيين، أو تناقلتْها الأسر جيلًا عن جيل.

-من أسباب ذلك التشويه ودوافعه: الخلط بين قبول الناس أفرادًا للإسلام وبين اعتناق الملوك له، ومن ثم عدَّ ممالكهم من دار الإسلام، ثم الخلط بينهم من جهة وبين قيام الحركات الإصلاحية الداخلية والخارجية (الجهاد) ، وقد يَحكم أولئك على المسلمين بما يحكم به على ملوكهم الذين لم يسلموا [1] ، فكان نتيجة هذا الخلط تشويه المفاهيم، حتى إن قضية انتشار الإسلام في غرب إفريقيا لا تجدها تدرس إلا في إطار السلطة الغالبة، والقوة الظاهرة، وبها ومعها، فحسب هذه المفاهيم يبسط الإسلام سلطانه، وتذاع في الناس تعاليمه، وتَنتشِر بينهم راياته إذا كانت له دولة ترعاه، وفي غياب مثل هذه الدولة يغدو النكوث عن الإسلام إلى الديانات التقليدية هو البديل الماثل، وفي أحسن الفروض تكون المزاوَجة بين الإسلام وتلك الديانات هي الطريق إلى تخليط يُبقي من الإسلام اسمه، ويَمحو معالمه وأثره، [2] فليس من الصواب ما قاله د: زبادية: وتتَّفق الروايات على أن إسلام مكان ما كان يتم حين يعلن الأمير، أو رئيس القبيلة، أو النبيل في عشيرته إسلامه فيتبعه أحسن الفروض جميع أفراد رعيته، [3] فكم من ملك أسلم شعبه وهو لم يسلم، كما في حال غانا من وجود عدد كبير من المسلمين والمساجد والوزراء في عاصمتها، بل نصف المدينة كان خاصًّا بالمسلمين، وكمدينة جني التي حشدت لملكها عددًا كبيرًا جدًّا من العلماء ليعلن إسلامه بين أيديهم [4] ، وكم ملك أسلم دون شعبه، وكم ملك كان يتردَّد في اعتناق

(1) انظر الملامح المغربية في الثقافة الإفريقية خلال القرن السادس عشر / 174 مجلة دعوة الحق (المغرب) عدد 283 جمادي الأول والأخرة، عام 1409 هـ - يناير 1989 م، للدكتور محمد العزبي.

(2) انتشار الإسلام في غرب إفريقيا حتى القرن السادس عشر الميلادي / 44 - 45، 48.

(3) مملكة (سنغاي) في عهد الاسقيين / 81.

(4) انظر: تاريخ السودان للسعدي / 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت