[النحل:44] . والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:
الأول: بيان اللفظ ونظمه، وهو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم. وهو المراد بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك) [المائدة:67] ، وقد قالت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ في حديث لها:"ومن حدثكن أن محمدًا كتم شيئًا أُمر بتبليغه، فقد أعظم على الله الفرية. ثم تلت الآية المذكورة" [أخرجه الشيخان] . وفي رواية لمسلم:"لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا أُمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) [الأحزاب: 37] ".
والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة، أو العامة، أو المطلقة، فتأتي السنة، فتوضح المجمل، وتُخصِّص العام، وتقيد المطلق. وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم، كما يكون بفعله وإقراره.
وقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: 38] مثال صالح لذلك، فإن السارق فيه مطلقٌ كاليد، فبينتِ السنة القولية الأول منهما، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينارٍ بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا" [أخرجه الشيخان] . كما بينتِ الآخَرَ بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره، فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل، كما هو معروف في كتب لحديث، وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) [النساء: 43، المائدة:6] بأنها الكف أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"التيمم ضربة للوجه والكفين" [أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما] .
وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهمًا صحيحًا على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة:
1 ـ قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) [الأنعام: 82] فقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (بظلم) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيرًا، ولذلك استشكلوا الآية فقالوا: يا رسول الله! أيُّنا لم يلبس أيمانه بظلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"ليس بذلك، إنما هو الشرك؛ ألا تسمعوا إلى قول لقمان: (إن الشرك لظلم عظيم) [لقمان: 13] ؟" [أخرجه الشيخان وغيرهما] .
2 ـ قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) [النساء: 101] فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف، ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما بالنا نقصر وقد أَمِنَّا؟ قال:"صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" [رواه مسلم] .