الصفحة 3 من 7

3 ـ قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم .. ) [المائدة: 3] فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك، والكبد والطحال من الدم حلال، فقال صلى الله عليه وسلم:"أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت (أي السمك بجميع أنواعه) ، والكبد والطحال" [أخرجه البيهقي وغيره مرفوعًا وموقوفًا، وإسناد الموقوف صحيح، وهو في حكم المرفوع، لأنه لا يقال من قِبَلِ الرأي] .

4 ـ قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي مُحرَّمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا، أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به) [الأنعام: 145] . ثم جاءت السنة فحرمت أشياء لم تُذكر في هذه الآية، كقوله صلى الله عليه وسلم:"كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير حرام". وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك. كقوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر:"إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية، فإنها رجس" [أخرجه الشيخان] .

5 ـ قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) [الأعراف: 32] فبينت السنة أيضًا أن من الزينة ما هو محرم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يومًا على أصحابه وفي إحدى يديه حرير، وفي الأخرى ذهب، فقال:"هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم" [أخرجه الحاكم وصححه] .

والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في"الصحيحين"وغيرهما. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه. ومما تقدم يتبين لنا أيها الإخوة أهمية السنة في التشريع الإسلامي، فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة ـ فضلًا عن غيرها مما لم نذكر ـ نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهمًا إلا مقرونًا بالسنة.

ففي المثال الأول فهم الصحابة (الظلم) المذكور في الآية على ظاهره، ومع أنهم كانوا ـ رضي الله عنهم ـ كما قال ابن مسعود: (أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تَكلُّفًا) فإنهم مع ذلك قد أخطئوا في ذلك الفهم، فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم ردهم عن خطئهم وأرشدهم إلى أن الصواب في (الظلم) المذكور إنما هو الشرك لاتبعناهم على خطئهم، ولكن الله تبارك وتعالى صاننا عن ذلك. بفضل إرشاده صلى الله عليه وسلم وسنته. وفي المثال الثاني: لولا الحديث المذكور لبقينا شاكين على الأقل في قصر الصلاة في السفر في حالة الأمن ـ إن لم نذهب إلى اشتراط الخوف فيه كما هو ظاهر الآية ـ وكما تبادر ذلك لبعض الصحابة لولا أنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر، ويقصرون معه وقد أمنوا. وفي المثال الثالث: لولا الحديث أيضًا لحرمنا طيبات أحلت لنا: الجراد والسمك، والكبد والطحال. وفي المثال الرابع: لولا الأحاديث التي ذكرنا فيه بعضها لاستحللنا ما حرم الله علينا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من السباع وذوي المخلب من الطير. وكذلك المثال الخامس: لولا الأحاديث التي فيه لاستحللنا ما حرم الله على لسان نبيه من الذهب والحرير، ومن هنا قال بعض السلف: السنة تقضي على الكتاب.

ومن المؤسف أنه قد وجد في بعض المفسرين، والكُتَّاب، المعاصرين من ذهب إلى جواز ما ذُكر في المثالين الأخيرين من إباحة أكل السباع ولبس الذهب والحرير اعتمادًا على القرآن فقط، بل وجد في الوقت الحاضر طائفة يَتَسَمَّوْنَ بـ (القرآنيين) يفسرون القرآن بأهوائهم وعقولهم، دون الاستعانة على ذلك بالسنة الصحيحة، بل السنة عندهم تبعٌ لأهوائهم، فما وافقهم منها تشبثوا به، وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت