-لا، لستُ موافقًا ..
-جميلٌ جدًا، الديمقراطية أيضًا فيها معارضة، أَنشِيء حزبًا سياسيًا معارضًا ضمن الإطار الديمقراطي، واعلم أننا سنناقش في برلماننا كلَّ شيء؛ حتى الصلاة إذا كانت ستُعطل الإنتاج سنمنعها إن رأت الأغلبية ذلك، ولتُصَلِّ أنتَ في بيتك حين تعود إليه مساءً!!
-ولكن، هذا كفر!!
-ربما .. ولكنها إجراءات الديمقراطية التي صدعت رؤوسنا بالمطالبة بها!!
هذه هي الصورة على الحقيقة .. ومهما حاولنا تجميل قُبحِهَا أو أَسْلَمَةَ كُفرِهَا فلن نستطيع .. لقد قالها رفعت المحجوب قديمًا- كما ذكر أبو مصعب السوري عليه من الله شآبيب الرحمة حيًا ومنتقلًا- حين رفض ممثلو الإسلاميين في مجلس الشعب التصويتَ على قانون مخالف للشريعة، ولمَّا تم إقرار القانون لقلة أصواتهم؛ أخبروا المحجوب أنهم يبرؤون إلى الله من هذا القانون المخالف للشريعة؛ فَذَكَّرَهُم بالقاعدة الدستورية التي تقول: إن القانون لا يأخذ شرعيته إلا من طرحه للتصويت قبولًا ورفضًا .. ورفضُهم للقانون وفق معايير الديموقراطية هو سبب إقراره؛ فقد أُتيحت الفرصة للاستفتاء عليه تأييدًا ومعارضةً؛ فصاروا بتصويتهم بالرفض مشاركين دستوريًا في إقرار قانونٍ مُحَرَّمٍ دِينيًا!!!
يا الله .. إنه خلاط التفاصيل الذي ضَرَبُوهم فيه .. إنه النظام العالمي الذي ظنوا- واهمين- أنهم يستطيعون خلخلة أصولِه من داخله فخلخلَ هو أصولَهم وأسقَطَهَا .. إنه روضةُ المستنقع التي أعجبتهم خضرتُها فدخلوها فدوخهم عَفَنُ رائحتِها فلما لم يستطيعوا الخروج منها اعتادوا العفن!!
ظَنُّوه تَدَرُّجًَا فكانَ استِدرَاجًَا .. ظَنُّوهَا حُديبيةً فكانت أُحُدًَا!!
وَضَعَ الكفارُ لهم أصولَ اللعبة، وحددوا لهم مسارات الحركة، واستدرجوهم ببعض المكاسب التافهة؛ فصاروا يرون قطعةَ الجُبن ولا يبصرون الفخ، وكلما حاولوا التملص والخلاص وضعوا لهم قطعة جُبنٍ أخرى في فَخٍّ آخر .. وهكذا دواليك حتى تحولوا هم أنفسهم إلى فخٍ بلا جبن يُصادُ به غيرهم؛ فكسب الكفارُ بهم ثلاثة مكاسب لم يكونوا يحلمون بها:
استنزفوهم عَقَدِيًَّا حتى تماهت أطروحاتُهم مع أطروحاتِ العلمانية الكافرة، واستخدموهم سياسيًا لإضفاء الشرعية على الأنظمة الكفرية العميلة، وَسَوَّقُوهُم دِينيًا للتشويش على القوى الإسلامية الأُخرى وإحباط حركتها واتهامها بالاختراق والعمالة!!
لقد صاروا إسلامقراطيين يعبدون الشعب والصندوق من دون الله ويتنازلون عن كل ما لا يمكن التنازل عنه من أجل الكفر الذي اقتنعوا أنهم سيصلون به إلى الإيمان .. وحين وصلوا- وأعطاهم الشعبُ أصواته ورَضِيَ بِعُجَرِهِم وبُجَرِهِم-؛ لم يكونوا يملكون من القوة ما يحافظون به على مكاسبهم التي تلبسوا بالكفر من أجلها؛ فَخَسِروا عِنبَ الشامِ وبَلَحَ اليمن، وظهرت الديمقراطية على حقيقتها .. ظهرت أنيابُها ومخالبُها .. وأغلقَ