الصفحة 107 من 108

وهذه اللوازم الشنيعة لا محيص لهم عنها، لهذا يفر منها بعضهم إلى تعطيل أحكام الجهاد والقول بالعهد المكي مخالفين الأحاديث الصريحة في بقاء الطائفة التي تقاتل في سبيل الله أو يذهبون إلى القول بالتوقف والتبين وهو قولهم أنهم يتوقفون في الحكم على عوام من ينتسب للإسلام بإسلام أو بكفر حتى نتبين حقيقة توحيده وكفره بالطواغيت، فشابهوا بذلك المعتزلة الذين فروا من لوازم مذهب الخوارج إلى القول بالمنزلة بين المنزلتين فلم يثبتوا لأصحاب الكبائر إسلاما ولا كفرا، وأصحاب التوقف فاقوا المعتزلة انحرافا لأنهم لم يثبتوا إسلاما ولا كفرا لمن يداوم على الصلاة ولا يظهر عليه ناقض من نواقض الإسلام ولا حتى كبيرة من الكبائر، وهو قول ظاهر الانحراف بنصوص القرآن والسنة وبإجماع أهل العلم.

كما لم ينتبه أصحاب هذا المذهب إلى أن الشروط التي وضعوها للحكم بإسلام المعين غير منضبطة ويختلف تقديرها من شيخ إلى آخر منهم إذ لا يكفي عند بعضهم التصريح بتكفير رؤوس طواغيت الحكم حتى يجمع معهم التصريح بتكفير أعيان أعوانهم ثم لا يقنعون منه بذلك حتى يكفر بعض مشايخ الإرجاء أو حتى بعض أئمة السنة المعاصرين أو يكفر من يعذر بالجهل في الشرك الأكبر أو يكفر عوام الناس لأنهم راضون بالكفر على حد زعمهم ثم يكفر من لا يكفرهم إلى آخر سلسلة التكفير التي اختلفوا أيضا في تقدير نهايتها حتى بدع بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضا بسبب ذلك كما هي عادة الخوارج، والله المستعان.

وهناك طائفة من الناس استشكل حكمهم، وهذا الإشكال راجع لاختلاف أحوالهم، وهي طائفة المجهولين ممن لا يظهر عليه علامات الإسلام ويغلب عليهم لباس الأعاجم خاصة في البلاد التي يكثر فيها النصارى كمصر ولبنان، والذي ظهر لي فيهم -والله تعالى أعلم- أن حكمهم يختلف باختلاف البلاد أو المناطق التي يعيشون فيها، فإن كان الغالب على الناس الانتساب للإسلام كما هو الحال في بلادنا حملوا على الإسلام في أداء حقوقهم كإلقاء السلام وتشميت العاطس وغيرها من حقوق المسلمين خاصة إذا قويت القرائن، وهذا أدعى لتأليف قلوبهم وحسن دعوتهم، ويتبين حالهم إذا تعدى الأمر إلى حقوق غيرهم كما في القتل الخطأ وقسمة المواريث وأكل الذبيحة وغيرها، وإن قويت الشبهة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت