فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 21

ب ومن الأمور التي قد يقع الخلط فيها عند البعض، عدمُ التفريق بين الرياء، وبين مطلق التشريك، حيث أشكل ذلك على بعض أهل العلم، فحكموا على العبادات التي قصد بها العابد أمرًا أقره الشارع بالبطلان، كمن يحج ويتاجر، ومن يجاهد الكفار ولكى ينال الغنيمة ونحوهما، ولقد بين القرافي رحمه الله بينهما، فنوجز قوله بما يلي:"الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادة، وبين قاعدة التشريك فيها: اعلم أن الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته، وهو موجب للمصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، فالرياء: أن يعمل العمل المأمور به المتقرّب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم، فيصل إليه نفعهم أو يندفع به ضررهم."

-وأما مطلق التشريك كمن يجاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضيره، ولا يحرم عليه بالإجماع؛ لأن الله جعل له هذا في العبادة، ففرق بين جهاده ليقول الناس: هذا شجاع، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، هذا ونحوه رياء وحرام، وبين أن يجاهد لتحصيل السبايا والكرام والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرّك، ولا يقال لهذا رياء، بسبب أن الرياء أن يعمل ليراه غير الله من خلقه، والرؤية لا تصحُّ إلا من الخلق.

وكذلك من حج وشرك في حجه غرض المتجر، وكذلك من صام ليصح جسده، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ولا يقدح هذا في صومه، بل أمر بها صاحب الشرع في قوله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"أي قاطع ن فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصوم لهذا الغرض، ولو كان ذلك قادحًا لم يأمر به صلى الله عليه وسلم في العبادة.

فهذا الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك، ولا تصلح للإدراك، ولا للتعظيم ولا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تُنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب" [1] أ. هـ. مختصرًا (الفروق 3/ 22، 23) ."

(1) كما في الحديث:"ما من غازية أو سرية تعزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثى أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم"رواه مسلم""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت