-يقول ابن تيمية رحمه الله:"ومن كان له وِرْدٌ مشروع من صلاة الضحى، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله من قلبه أنه يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص ..."إلى أن قال:"ومن نهى عن أمرٍ مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مرود عليه من وجوه:"
أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفًا من الرياء، بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها، فالفساد في ترك إظهارها المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياءً.
الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم"
الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين، إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا، قالوا هذا مراءٍ فيترك أهل الصدق إظهار الأمور المشروعة حذرًا من لمزهم، فيتعطل الخير.
الرابع: أن مثل هذا من شعائر المنافقين، وهو الطعن على من يظهر الأعمال المشروعة، قال تعالى: (( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (التوبة:79) أ. هـ. الفتاوى 23/ 174، 175 باختصار.
-وقد تمادى أصحاب هذا المسلك في هذا الانحراف، حتى وصل بهم الحدُّ إلى قصد ذم الناس ولومهم، وسمُّوا بـ"الملامية" [1] وهم الذين يفعلون ما يُلامون عليه، ويقولون نحن متبعون في الباطن، أرادوا بذلك مقالة المرائين، فردوا باطلهم بباطل آخر، وهدى الله أهل السلوك من أهل السنة والجماعة إلى التزام الصراط المستقيم فكانوا وسطًا بين المرائين والملامية.
(1) انظر في توضيح حالهم، الفتاوى لابن تيمية 35/ 164.